الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٧٠.................................................................................
-------------
وَنُهِيَ عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ حَنْبَلٍ فِي لُقَطَةِ مَكَّةَ: هِيَ كَغَيْرِهَا؛ وَقِيلَ: لَا تَحِلُّ أَلْبَتَّةَ وَلَا نِهَايَةَ لِإِنْشَادِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إلَّا لِمُنْشِدِهَا، فَقِيلَ: إلَّا لِمُسْمِعٍ بِهَا يَأْخُذُهَا لِيَرُدَّهَا لِصَاحِبِهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا لِيُعَرِّفَهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا أَخَذَهَا؛ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ بَلْ يُعَرِّفُهَا عَلَى الدَّوَامِ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْبِلَادِ كَذَلِكَ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ، قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ بِهَا أَنْ يُقِيمَ لِلتَّعْرِيفِ أَوْ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ لِإِمْكَانِ إيصَالِهَا إلَى رَبِّهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِمَكِّيٍّ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِآفَاقِيٍّ فَلَا يَخْلُو أُفُقٌ غَالِبًا مِنْ وَارِدٍ إلَيْهَا فَإِذَا عَرَّفَهَا وَاجِدُهَا فِي كُلِّ عَامٍ سَهُلَ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهَا، وَقَالَتْ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ مَكَّةُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْرِيفِ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنِيرِ جَدُّ الدَّمَامِينِيِّ بِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ نَفَى الْحِلَّ وَاسْتَثْنَى الْإِنْشَادَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ لِلْمُنْشِدِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَقَدْ اسْتَحَبَّ ابْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَرْكَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ إلَّا أَنْ يُعَرِّفَ مَالِكُهَا لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعُمَّ الْخَلَائِقَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ بِتَعْرِيفِهَا،
وَلَعَلَّ صَاحِبَهَا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ سَاعَتِهِ فَلَا يَجِدُهَا، وَوَافَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَالْبَاجِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ جُمْهُورَ الشَّافِعِيَّةِ تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ: إلَّا لِمُنْشِدِهَا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، مُنْتَصِرًا لِمَشْهُورِ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: وَالِانْفِصَالُ عَنْ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى قَاعِدَةِ مَالِكٍ فِي تَقْدِيمِهِ الْعَمَلَ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يُرِيدُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِثُبُوتِ الْحِلِّ لِلْمُنْشِدِ ثُبُوتُهُ بَعْدَ قِيَامِهِ بِوَظِيفَةِ التَّعْرِيفِ، وَإِنَّمَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فِي تَحْرِيمِ اللُّقَطَةِ قَبْلَ التَّعْرِيفِ وَتَحْلِيلِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَاحِدٌ، وَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي أُشْكِلَ عَلَى غَيْرِ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ تَعْطِيلُ الْمَفْهُومِ؛ إذْ مَفْهُومُ اخْتِصَاصِ مَكَّةَ بِحِلِّ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ وَتَحْرِيمُهَا قَبْلَهُ؛ أَنَّ غَيْرَ مَكَّةَ لَيْسَ