شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ١٧١

..................................................................................

-------------

كَذَلِكَ بَلْ تَحِلُّ لُقَطَتُهُ مُطْلَقًا وَتُحَرَّمُ مُطْلَقًا وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى هَذَا فَالْخَطْبُ سَهْلٌ يَسِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا: إنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ يَأْيَسُ مُلْتَقِطُهَا مِنْ صَاحِبِهَا لِتَفَرُّقِ الْخَلْقِ عَنْهَا إلَى الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ، فَرُبَّمَا دَاخَلَهُ الطَّمَعُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَاسْتَحَبَّهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ فَخَصَّهَا الشَّارِعُ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِحْلَالِ لُقَطَتِهَا قَبْلَ التَّعْرِيفِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا ذَكَرْنَا، فَقَدْ ظَهَرَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى الْمَفْهُومِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَانْتَظَمَ الِاخْتِصَاصُ حِينَئِذٍ وَتَنَاسَبَ السِّيَاقُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَأْيُوسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ لَا يُعَرَّفُ كَالْمَوْجُودِ بِالسَّوَاحِلِ لَكِنَّ مَكَّةَ تَخْتَصُّ بِأَنْ تُعَرَّفَ لُقَطَتُهَا.

وَقَدْ نَصَّ بَعْضٌ أَنَّ لُقَطَةَ الْعَسْكَرِ بِدَارِ الْحَرْبِ إذَا تَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ لَا تُعَرَّفُ سَنَةً

لِأَنَّهَا إمَّا لِكَافِرٍ فَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَإِمَّا لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ فَلَا مَعْنَى لِتَعْرِيفِهَا فِي غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ حِينَئِذٍ اخْتِصَاصُ مَكَّةَ بِالتَّعْرِيفِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَوْسِمِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهُمْ لَهَا وَأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ لِأَجْلِهَا فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا بَعْدَ الْإِنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ سَنَةً، فَتَكُونُ اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ أَيْ إلَّا لِإِنْشَادِ مُنْشِدِهَا، أَيْ إلَّا عِنْدَ حُصُولِ إنْشَادِهِ سَنَةً مَثَلًا أَوْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ إنْشَادِ الْمُنْشِدِ بِخِلَافِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا كَمُجْتَمَعَاتِ الْعَسَاكِرِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ تِلْكَ تَحِلُّ بِنَفْسِ افْتِرَاقِ الْعَسْكَرِ وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ حِينَئِذٍ أَقْعَدَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مِنْ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ، لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى تَأْوِيلِ اللَّامِ وَإِخْرَاجِهَا عَنْ التَّمْلِيكِ وَيَجْعَلُونَ الْمُرَادَ: وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، فَيَحِلُّ لَهُ إنْشَادُهَا لَا أَخْذُهَا فَيُخَالِفُونَ ظَاهِرَ اللَّامِ وَظَاهِرَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيُحَقِّقُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَكَّةَ أَنَّ لُقَطَتَهَا لَا يَعُودُ إلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنَّا لَمْ نَسْمَعْ أَحَدًا ضَاعَتْ لَهُ نَفِيقَةٌ، بِمَكَّةَ، فَرَجَعَ إلَيْهَا لِيَطْلُبَهَا وَلَا بَعَثَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَيْأَسُ مِنْهَا بِنَفْسِ التَّفَرُّقِ، وَلَا تَلْحَقُ لُقَطَةُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ بِلُقَطَةِ مَكَّةَ وَقِيلَ: حَرَمُهَا كَحَرَمِ مَكَّةَ كَمَا فِي حُرْمَةِ الصَّيْدِ لِحَدِيثِ