شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ٣٢٠

....................................................

--------------------

وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ بَيَانُ أَنَّ الثُّلُثَ جَائِزٌ وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُنْقِصَ عَنْهُ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ أَنَّ الثُّلُثَ هُوَ الْأَكْمَلُ فِي التَّصَدُّقِ أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ أَوْ مَعْنَاهُ كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيه يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَفَادَ قَوْلُهُ: لِتَارِكِ وَارِثٍ، أَنَّ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِمَا شَاءَ وَلَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّك إنْ تَذَرَ وَرَثَتَك، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ وَشَرِيكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْآيَةِ فَقَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ، وَمَنَعَ الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ جُمْهُورُ قَوْمِنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ،

وَعَدَمُ الْوَارِثِ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الْإِنْسَانِ كُلُّهُمْ مُشْرِكِينَ وَبِمَوْتِهِمْ كُلِّهِمْ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ كَكَوْنِهِمْ عَبِيدًا أَوْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَتْلِهِ، قِيلَ: وَيَكُونُ الْمُوَرِّثُ مَوْلًى، قُلْت: إنْ لَمْ نَقُلْ أَنَّهُ يَرِثُهُ مُعْتِقُهُ أَوْ عَصَبَتُهُ أَوْ جِنْسُهُ الْمُسْلِمُونَ دَخَلَ فِيمَنْ وَرَثَتُهُ مَثَلًا مُشْرِكُونَ.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَالِ حَالَ الْوَصِيَّةِ أَوْ حَالَ الْمَوْتِ؟ قَوْلَانِ؛ وَهُمَا وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَقَالَ بِالْأَوَّلِ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَالَ بِالثَّانِي أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْبَاقُونَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ؛ وَتَمَسَّك الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ وَالْعُقُودُ تُعْتَبَرُ بِأَوَّلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ اُعْتُبِرَ حَالَةَ النَّذْرِ اتِّفَاقًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ عَقْدًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْفَوْرُ وَلَا الْقَبُولُ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنَّهَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ مِنْهَا وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا هُوَ الثَّانِي وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ