شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ٨٢١

وَإِنْ أَوْصَى بِكَذَا وَكَذَا كَفَّارَةً فَهَلْ بَطَلَتْ، أَوْ تُنْفَذُ فِي مُرْسَلَاتٍ أَوْ نِصْفٍ فِيهَا وَنِصْفٍ فِي الْمُغَلَّظَاتِ؟ خِلَافٌ.

----------------------------

مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ مَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَكُلُّ مَنْ حَلَفَ مِنْ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ الصَّحِيحِيّ الْعُقُولِ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا الْأَطْفَالُ وَالْعَبِيدُ وَالْمَجَانِينُ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ وَحَنِثَ كَفَّارَةٌ وَذَكَرُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً

فَعَلَيْهِ مُغَلَّظَةٌ، وَمَنْ فَعَلَ صَغِيرَةً فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقِيلَ: فِي هَذَا كُلِّهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْكَفَّارَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَالْمُغَلَّظَاتِ وَكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ فَإِنَّهُ يُوصِي بِكَذَا وَكَذَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّمَا يُوصِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَالْمُغَلَّظَاتِ هَكَذَا.

(وَإِنْ أَوْصَى بِكَذَا وَكَذَا كَفَّارَةً فَهَلْ بَطَلَتْ) لِأَنَّهَا تَعَطَّلَتْ بِالْجَهْلِ إذْ لَا يُعْلَمُ مَا مُرَادُهُ أَمُغَلَّظَاتٌ أَوْ مُرْسَلَاتٌ؟ فَلَمَّا بَطَلَتْ كَانَتْ كَسَائِرِ التَّرِكَةِ لِلْوَرَثَةِ، (أَوْ تُنْفَذُ فِي مُرْسَلَاتٍ) لِأَنَّهُنَّ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِ الْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمِنْ الْأَقْوَالِ الْقَوْلُ بِانْصِرَافِ الْفَرْدِ إلَى الْأَدْنَى، وَلِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: تُجْزِي الْمُرْسَلَةُ عَنْ كُلِّ مُغَلَّظَةٍ إلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ (أَوْ نِصْفٍ فِيهَا وَنِصْفٍ فِي الْمُغَلَّظَاتِ) لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّوَسُّطُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْفَرْدَ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَى الْأَوْسَطِ عِنْدَ بَعْضٍ لِأَنَّ فِيهِ عَدَمَ ادِّعَاءِ الْأَعْلَى إذْ يُغْبَنُ فِيهِ الْمُعْطِي، وَعَدَمَ ادِّعَاءِ الْأَسْفَلِ إذْ يُغْبَنُ فِيهِ الَّذِي يَأْخُذُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِبَنِي فُلَانٍ، أَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِهَؤُلَاءِ، أَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِلْحَجِّ وَالزَّكَاةِ مَثَلًا لَكَانَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى الرُّءُوسِ؟ (خِلَافٌ)، وَرَابِعُ الْأَقْوَالِ مِنْ الْأُصُولِ أَنَّهَا تُنْفَذُ فِي مُغَلَّظَاتٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْفَرْدُ إذَا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَى الْأَكْمَلِ.