الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ١١٤.....................................
------------------
وَالشَّعْبِيَّ وَقَتَادَةَ نَقُولُ: تَجُوزُ شَهَادَةُ مُشْرِكٍ عَلَى مُشْرِكٍ مِنْ مِلَّتِهِ، وَبَعْضٌ يُجِيزُ أَيْضًا شَهَادَةَ أَعْلَاهُمْ عَلَى مَنْ دُونَهُ كَنَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ، وَيَهُودِيٍّ عَلَى مَجُوسِيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ كُلَّ مُشْرِكٍ عَلَى كُلِّ مُشْرِكٍ وَلَوْ تَخَالَفَتْ الْمِلَلُ، وَلَوْ شَهِدَ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ، وَاحْتُرِزَ بِالْبَالِغِ مِنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَضْبِطُ الْأَشْيَاءَ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَالشَّهَادَةُ وَأَدَاؤُهَا وَاجِبَانِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلَا يَحْتَرِزُ عَنْ الْكَذِبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: إنَّ الطِّفْلَ لَيْسَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ، وَبِالْعَاقِلِ مِنْ الْمَجْنُونِ لِأَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَضْبِطُ وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: بِلَا فِسْقٍ مِنْ الْفَاسِقِ بِالْجَارِحَةِ، كَالزَّانِي وَالسَّارِقِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَاحْتُرِزَ بِغَيْرِ الْمَحْجُورِ مِنْ الْمَحْجُورِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَاحْتُرِزَ بِالْخُلُوِّ عَنْ الْبِدْعَةِ مِنْ الْفَاسِقِ بِالِاعْتِقَادِ، فَهُوَ يُمَثِّلُ بِنَا، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ مَذَاهِبَهُمْ
الْأَرْبَعَةَ، وَنَحْنُ نُمَثِّلُ بِأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ بِدْعَةٍ لِاعْتِقَادِهِمْ رُؤْيَةَ الْبَارِئِ وَبَرَاءَتِهِمْ مِنَّا بِلَا مُوجِبٍ، وَلَا نَلْتَفِتُ إلَى أَكَاذِيبِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ، وَنُمَثِّلُ أَيْضًا بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَكِنْ فِي شَهَادَتِهِمْ خِلَافٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُ كَبِيرَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِهَا تَلَبُّسًا لَا تَعْرِفُ لَهُ بَعْدَهُ تَوْبَةً، وَأَمَّا إذَا تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ فَلَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ، وَلَكِنْ رُبَّ مَعْصِيَةٍ لَا يُحَافِظُ مُرْتَكِبُهَا عَلَى ذَنْبِهِ عَادَةً.
وَفِي الْجَوَاهِرِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يَمْحُضَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ وَلَا يَشُوبَهَا بِمَعْصِيَةٍ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَغْلَبَ حَالِهِ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ وَيُحَافَظُ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ كَثِيرُ كَذِبٍ إلَخْ، يُرِيدُ أَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا