شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ١٦٠

....................................

--------------------------------------

﴿أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَبْدَءُونَ بِشَهَادَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوا عَنْهَا﴾، وَأَمَّا مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِبَالِغٍ عَاقِلٍ حَاضِرٍ عَالِمٍ بِهَا قَادِرٍ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ مُبْطِلٌ لَهَا - قِيلَ - اتِّفَاقًا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يُفْشُوا الْكَذِبَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ﴾، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ

وَتَفْسِيرُ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: مَعْنَى خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ أَنْ يَشْهَدَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةِ وَالْحُدُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي أَوْ الْإِمَامِ إذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَوْ رَابَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ "، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا لَا قَبْلَهُ، كَمَا يُقَالُ: الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ أَيْ عَقِبَهُ بِلَا تَوَقُّفٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي ذَمَّ فِيهِ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالزُّورِ، وَقِيلَ: مَنْ يَشْهَدُ لِلنَّاسِ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِالنَّارِ بِلَا تَوَقُّفٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيَنْبَغِي أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَاجِلًا إذَا طُلِبَ إلَى أَدَائِهَا أَوْ جَازَ لَهُ بِلَا طَلَبٍ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ لِلْفَرْضِ وَخُرُوجٌ عَنْ عُهْدَتِهِ قَبْلُ، وَمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ مَوْقُوفٍ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصِلَ الْحَاكِمَ وَيَقُولَ: عِنْدِي شَهَادَةٌ لِفُلَانٍ الْيَتِيمِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ لِلْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: قُلْ ذَلِكَ، شَهِدَ بِمَا عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْيَتِيمِ وَوَكِيلُهُ وَالْمُحْتَسِبُ لَهُ وَمَنْ شَهِدَ لِحَقِّ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ