شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٣٧١

............................

-----------------------

دَعْوَى الْمُدَّعِي، فَإِنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: فَلَهُ الرَّدُّ، ظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْمُدَّعِي مُطْلَقًا وَلَمْ يَرْضَ الْمُدَّعِي، وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي زَكَرِيَّاءَ: فَلَهُ ذَلِكَ، هُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَقَوْلُهُ وَيَرُدُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي فِيمَا يَدَّعِي قَبْلَهُ مَا لَمْ يُجِبْهُ، فَإِنْ أَجَابَهُ فَلَا يُدْرِكُ رَدَّهُ عَلَى الْمُدَّعِي، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الْإِجَابَةِ يُدْرِكُ الرَّدَّ، وَالْإِدْرَاكُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا، فَكَانَ كَلَامُهُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ بِلَا رِضًا مِنْ الْمُدَّعِي أَظْهَرُ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدِي لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَفِيهِ خَلَاصٌ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ،

وَالْبَيِّنَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَا يَرْجِعُ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِرِضَاهُمَا مَعًا، فَإِنْ رَضِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَّا يَحْلِفُ وَتَرَكَ الْحَلِفَ الَّذِي هُوَ خَلَاصٌ لَهُ وَرَدَّهُ إلَى الْمُدَّعِي وَقَبِلَهُ الْمُدَّعِي عَنْهُ فَحَلَفَ أَنَّ مَا إذَا ادَّعَيْتُهُ عَلَيْكَ صَحِيحٌ جَازَ ذَلِكَ، فَلَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغُرْمُ.

أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ إذَا تَرَكَهَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَوْ الْتَزَمَ فِيهَا مَنْ هِيَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ شَيْءٌ جَازَ، ثُمَّ رَأَيْتُ قَيْدَ الرِّضَا فِي الدِّيوَانِ "، وَهَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ حَبِيبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُجِيزُ رَدَّ الْيَمِينِ بِرِضَا الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أُحَوِّلُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذْ قَالَ: ﴿الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ﴾، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ هَذَا تَعَبُّدًا بَلْ أَمْرٌ لَهُ عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ هِيَ إرْهَابُ الْمُنْكِرِ إنْ كَذَبَ وَخَلَاصُهُ، فَإِنْ رَضِيَا بِوَجْهٍ آخَرَ جَازَ، أَلَا تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْيَمِينَ لَقُبِلَ عَنْهُ وَلَمْ يُضْطَرَّ لِلْيَمِينِ، وَلَوْ سَامَحَهُ الْمُدَّعِي وَتَرَكَ لَهُ الْيَمِينَ أَوْ صَالَحَهُ لَمْ يُضْطَرَّ لِلْيَمِينِ، وَذَكَرُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الدِّيوَانِ "، وَيُسَمَّى رَدُّ الْيَمِينِ قَلْبًا وَانْقِلَابًا وَرُجُوعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ، هَلْ تَلْزَمُ الْمُدَّعِي؟