الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٣٧٢.........................
-------------------------
وَحَكَى ابْنُ بَرَكَةَ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا عَلَى رَدِّهَا إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذْ قَالَ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ الْحَقُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ بَعْضٌ، وَهُوَ كَالشَّاذِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ يَحْلِفُ أَوْ يَعْتَرِفُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ، لِأَنَّ طَاعَةَ الْحَاكِمِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ يَعْصِي بِتَرْكِهَا، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُ عَلَيْهِ وَلَا يَعْذُرُهُ
عَنْ أَنْ لَا يَعْتَرِفَ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَدْرَأَ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلِيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، كَذَلِكَ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ بِالْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، إمَّا الِاعْتِرَافُ وَإِمَّا الْيَمِينُ.
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى رَدِّ الْيَمِينِ إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَوَافَقَهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَدَّهَا إذَا طَلَبَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ مَنْ لَمْ يُرِدْ الْيَمِينَ: خَالَفْتُمْ حَدِيثَ: ﴿الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ﴾، قُلْنَا: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اخْتَارَهَا، وَإِنْ اسْتَعْفَى أَنْ يُعْطِيَ وَيَحْلِفَ الْمُدَّعِي فَلَهُمَا ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْمُدَّعِي صِدْقَ نَفْسِهِ، وَلَمَّا ﴿اعْتَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ النَّاسُ يَعُودُونَهُ وَكَانَ شَادًّا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ فَجَلَسَ وَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ مَنْ يَدَّعِي عَلَيَّ حَقًّا أَوْ مَظْلَمَةٌ مِنْ مَالٍ يَلْزَمُنِي أَوْ حَقٍّ فِي يَدِي؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذْتَ مِنِّي، أَوْ قَالَ: أُقْرِضْتَ مِنِّي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي سَرَاوِيلَ اشْتَرَيْتَهُ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَمَّا إنِّي أُصَدِّقُكَ وَلَا أُحَلِّفُكَ، وَقَالَ لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: ادْفَعْ إلَيْهِ﴾، فَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فَقَدْ عَلِمْنَا بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا، وَإِنْ قُلْتَ: مَا الْوُجُوهُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا رَدُّ الْيَمِينِ؟ قُلْتُ: قَالُوا فِي الدِّيوَانِ ": وَيَرْجِعُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْمَعْلُومِ كُلِّهِ مِنْ التَّعَدِّيَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، أَيْ مِمَّا فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْيَمِينِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْعَفْوِ.