شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ١٨١

...............................................................

------------------------

وَعَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجٍّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَ بِيَدِ حَرَسِيٍّ وَجَدْتُ هَذِهِ عِنْدَ أَهْلِي، وَزَعَمُوا أَنَّ النِّسَاءَ يَزِدْنَهُ فِي شُعُورِهِنَّ مَا كُنْتُ أَرَى يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا الْيَهُودُ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، ﴿سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا هَلَكَتْ - وَفِي رِوَايَةٍ - عُذِّبَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ﴾، أَيْ مِثْلَ هَذِهِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؛ إشَارَةٌ إلَى قِلَّةِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ إذْ غَالِبُ الصَّحَابَةِ مَاتُوا يَوْمئِذٍ أَوْ تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَوْ قَالَ ذَلِكَ يُرِيدُ حُضُورَهُمْ لِيُعِينُوهُ عَلَى الْإِنْكَارِ، أَوْ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ سُكُوتَهُمْ، وَلَعَلَّ سُكُوتَهُمْ كَانَ يَوْمئِذٍ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ تَنْزِيهٌ، قِيلَ: أَوْ خَشْيَةَ سَطْوَةِ الْأُمَرَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَوَهَّمُ التَّنْزِيهَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَادِيثُ لَعْنِ فَاعِلَاتِ ذَلِكَ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ [قَالَ:] قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا، فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرُ الْيَهُودِ، أَيُّكُمْ أَخَذَ زِيَّ سُوءٍ، إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ الزُّورَ أَعْنِي الْوَصْلَ فِي الشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْوَصْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ، وَقَدْ فَصَّلَهُ أَصْحَابُنَا يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ فَقَالُوا: إنْ وُصِلَتْ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ الطَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا إنْ فَعَلَتْهُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ جَازَ.