شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ١٨٢

لَا عِطْرَ إنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ ...................................

--------------------------

وَقَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ: يَنْهَى عَنْ الزُّورِ، قَالَ قَتَادَةَ: يَعْنِي مَا يُكْثِرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِشَعْرِهَا شَيْئًا، وَذَهَبَ اللَّيْثُ وَنَقَلَهُ عُبَيْدَةُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، أَمَّا إذَا وَصَلَتْ بِغَيْرِهِ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِمَّا رَوَى فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ بِالْقَرَامِلِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ قَرْمَلِ كَجَعْفَرٍ نَبْتٌ طَوِيلُ الْفُرُوعِ لَيِّنٌ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خُيُوطٌ كَالشَّعْرِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ صُوفٍ تُعْمَلُ ضَفَائِرَ تَصِلُ بِهَا الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا، وَذَلِكَ لِمَا لَا يَخْفَى أَنَّهَا مُسْتَعَارَةٌ، فَلَا يُظَنُّ بِهَا تَغْيِيرُ الصُّورَةِ.

وَكَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الزِّيَادَةُ فِي شَعْرِ رَأْسِهَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا﴾ "، وَرَوَى أَبُو دَاوُد: ﴿لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ﴾ " أَيْ فِي الْحَجِّ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ لِلْمَرْأَةِ الْوَصْلَ بِشَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ مَا وُصِلَ بِهِ الشَّعْرُ مِنْ غَيْرِ الشُّعُورِ مَسْتُورًا بَعْدَ عَقْدِهِ مَعَ الشَّعْرِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ الشَّعْرِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَهُوَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوِيٌّ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَعْضِهِمْ؛ إذْ أَجَازَهُ بِمُخَالِفِ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِمُخَالَفَتِهِ.

(لَا عِطْرَ إنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ) هَذَا الشَّرْطُ مُنْفَصِلٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَخَذَتْ بِالتَّطَوُّعِ لَا يُسَمَّى أَخْذُهَا إدْرَاكًا، وَإِنْ وَعَدَ لَهَا بِالْإِعْطَاءِ لَا تُدْرِكُ