شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٢

..........................................

------------------

وَلَا يَغْفُلَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ حَقِيرًا، فَكَمْ بُرْغُوثٍ أَسْهَرَ فِيلًا، وَمَنَعَ الرُّقَادَ مَلِكًا جَلِيلًا، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

فَلَا تَحْقِرَنَّ عَدُوًّا رَمَاكَ … وَإِنْ كَانَ فِي سَاعِدَيْهِ قِصَرْ

فَإِنَّ السُّيُوفَ تَحُزُّ الرِّقَابَ … وَتَعْجِزُ عَمَّا تَنَالُ الْإبَرْ

وَفِي الْأَمْثَالِ: لَا تَحْقِرَنَّ الذَّلِيلَ فَرُبَّمَا شَرِقَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ، وَمَثَلُ الْعَدَاوَةِ مَثَلُ النَّارِ إنْ تَدَارَكْتَ أَوَّلَهَا سَهُلَ إطْفَاؤُهَا، وَإِنْ تَرَكْتَ اسْتَحْكَمَ ضِرَامُهَا وَصَعُبَ مَرَامُهَا وَتَضَاعَفَتْ بَلِيَّتُهَا، وَمَثَلُهَا أَيْضًا مَثَلُ الْقُرُوحِ الْخَبِيثَةِ إنْ تَدَارَكْتَهَا سَهُلَ بُرْؤُهَا، وَإِنْ غَفَلْتَ عَنْهَا حَتَّى انْتَقَلَتْ عَظُمَتْ بَلِيَّتُهَا وَأَعْضَلَ الْأَطِبَّاءَ بُرْؤُهَا.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ فِي جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ نَوْعُ تَدْبِيرٍ وَحِيلَةٍ وَمَكِيدَةٍ وَلِقَاءٍ وَفَرٍّ وَكَرٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصِفُ بَعْضَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْقَوَاعِدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الْآيَةَ، فَلَفْظُ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَا فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالْآلَةِ وَالْحِيلَةِ، وَفَسَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ، وَمَرَّ عَلَى نَاسٍ يَرْمُونَ فَقَالَ: ﴿أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ﴾ ".

وَكَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إذَا أَرَادَ الْغَزْوَ لَا يَقُصُّ أَظْفَارَهُ وَيَتْرُكُهَا عُدَّةً وَيَرَاهَا قُوَّةً، وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ تُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ اللِّقَاءِ عَمَلًا صَالِحًا مِنْ صَدَقَةٍ وَصِيَاحٍ وَرَدِّ مَظْلِمَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَدُعَاءٍ مُخْلِصٍ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ: إنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ.

وَرُوِيَ أَنَّ زَيْدًا وَرَدَ عَلَيْهِ بِفَتْحٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ وَقْتٍ لَقِيتُمْ الْعَدُوَّ، قَالَ غَدْوَةً: قَالَ: وَمَتَى انْهَزَمَ؟ قَالَ: عِنْدَ الزَّوَالِ، قَالَ عُمَرُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَامَ