الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٣..........................................
--------------------
الشِّرْكُ لِلْإِيمَانِ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى الزَّوَالِ، لَقَدْ أَحْدَثْتُمْ بَعْدِي حَدَثًا، أَوْ أَحْدَثْتُ بَعْدَكُمْ حَدَثًا.
وَالشَّأْنُ كُلُّ الشَّأْنِ فِي اسْتِجَادَةِ الْقُوَّادِ وَانْتِخَابِ الْأُمَرَاءِ وَأَصْحَابِ الْأَلْوِيَةِ، فَقَالَتْ حُكَمَاءُ الْعَجَمِ: أَسَدٌ يَقُودُ أَلْفَ ثَعْلَبٍ خَيْرٌ مِنْ ثَعْلَبٍ يَقُودُ أَلْفَ أَسَدٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْجَيْشِ إلَّا رَجُلٌ ذُو بَسَالَةٍ وَنَجْدَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَجُرْأَةٍ، ثَابِتُ الْجِنَانِ، صَارِمُ الْقَلْبِ، رَابِطُ الْجَأْشِ، صَادِقُ الْبَأْسِ، قَدْ تَوَسَّطَ الْحُرُوبَ وَمَارَسَ الرِّجَالَ وَمَارَسُوهُ، وَنَازَلَ الْأَقْرَانَ وَقَارَعَ الْأَبْطَالَ، عَارِفٌ بِمَوَاضِعِ الْفُرَصِ خَبِيرٌ بِمَوَاقِعِ الْقَلْبِ وَالْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ مِنْ الْحُرُوبِ، وَمَا الَّذِي شَحَنَهُ بِالْحُمَاةِ وَالْأَبْطَالِ مِنْ ذَلِكَ، بَصِيرٌ بِصُفُوفِ الْعَدُوِّ وَمَوَاضِعِ الْغِرَّةِ مِنْهُ وَمَوَاضِعِ الشِّدَّةِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَصَدَرَ الْكُلُّ عَلَى رَأْيِهِ كَانَ جَمِيعُهُمْ كَأَنَّهُ مِثْلُهُ، فَإِنْ رَأَى لِقَرْعِ الْكَتَائِبِ وَجْهًا وَإِلَّا رَدَّ الْغَنَمَ لِلزَّرِيبَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ، أَيْ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: إنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَآخِرُ مَا يَجِبُ رُكُوبُهُ قَرْعُ الْكَتَائِبِ، وَحَمْلُ الْجُيُوشِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَلْيَتَّئِدْ بِتَصْرِيفِ الْحِيلَةِ فِي نَيْلِ الظَّفَرِ، فَإِنَّ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ أَمِيرَ خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ مَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ آخِرِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ: كَانَ عُظَمَاءُ التُّرْكِ يَقُولُونَ: يَنْبَغِي لِلْقَائِدِ الْعَظِيمِ الْقُدْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ عَشَرَةُ أَخْلَاقٍ مِنْ أَخْلَاقِ الْبَهَائِمِ: سَخَاوَةُ الدِّيكِ، وَتَحَنُّنُ الدَّجَاجَةِ، وَشَجَاعَةُ الْأَسَدِ، وَحَمْلَةُ الْخِنْزِيرِ، وَرَوَغَانُ الثَّعْلَبِ، وَصَبْرُ الْكَلْبِ عَلَى الْجِرَاحَةِ، وَحِرَاسَةُ الْكُرْكِيِّ، وَغَارَةُ الذِّئْبِ، وَسِمَنُ نُغَيْرٍ، وَهُوَ ذُؤَيْبَةٌ بِخُرَاسَانَ تَسْمَنُ عَلَى التَّعَبِ وَالشَّقَاءِ.
وَكَانَ يُقَالُ: أَشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عَشَرَةٌ: الْجِبَالُ، وَالْحَدِيدُ يَنْحِتُ الْجِبَالَ،