الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٤.............................................
-------------------
وَالنَّارُ تَأْكُلُ الْحَدِيدَ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ، وَالسَّحَابُ يَحْمِلُ الْمَاءَ، وَالرِّيحُ تُصَرِّفُ السَّحَابَ وَالْإِنْسَانُ يَتَّقِي الرِّيحَ بِجَنَاحَيْهِ، وَالسُّكْرُ يَصْرَعُ الْإِنْسَانَ، وَالنَّوْمُ يُذْهِبُ السُّكْرَ، وَالْهَمُّ يَمْنَعُ النَّوْمَ، فَأَشَدُّ خَلْقِ رَبِّكَ الْهَمُّ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْهُ فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَبُثَّ جَوَاسِيسَهُ فِي عَسْكَرِ عَدُوِّهِ، وَيَسْتَعْلِمَ أَخْبَارَهُ، وَيَسْتَمِيلَ رُؤَسَاءَهُمْ وَقَادَتَهُمْ وَذَوِي الشَّجَاعَةِ مِنْهُمْ، وَيَدُسَّ إلَيْهِمْ وَيَعِدَهُمْ وَعْدًا جَمِيلًا، وَيُوَجِّهَ إلَيْهِمْ بِضُرُوبِ الْخُدْعَةِ وَيُقَوِّيَ أَطْمَاعَهُمْ فِي أَنْ يَنَالُوا مَا عِنْدَهُ مِنْ الْهِبَاتِ الْفَاخِرَةِ وَالْوِلَايَاتِ السَّنِيَّةِ، فَإِنْ رَأَى وَجْهًا عَاجَلَهُمْ بِمُعَاجَلَتِهِمْ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَسِهَامِهِمْ، وَيُنْشِئُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ كُتُبًا مُدَلَّسَةً إلَيْهِمْ وَيَبُثُّهَا فِي عَسْكَرِهِمْ وَيَكْتُبُ فِي السِّهَامِ أَخْبَارًا مُزَوَّرَةً وَيَرْمِي بِهَا فِي جُيُوشِهِمْ وَيَضْرِبُ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ الشَّرُّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ تُنْفَقُ فِيهِ الْأَمْوَالُ وَالْحِيَلُ، وَاللِّقَاءُ تُنْفَقُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ وَالرُّءُوسُ.
وَوُجُوهُ الْحِيَلِ لَا تُحْصَى وَالْحَاضِرُ فِيهَا أَبْصَرُ مِنْ الْغَائِبِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْمُهَلَّبِ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَعْجِلُهُ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ رَدَّ الْجَوَابَ، فَقَالَ: إنَّ مِنْ الْبَلَاءِ أَنْ يَكُونَ الرَّأْيُ عِنْدَ مَنْ لَا يَمْلِكُهُ لَا عِنْدَ مَنْ يُبْصِرُهُ.
وَقَالَ الْمُخْتَارُ لِيَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ حِينَ وَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ: إلْقَ عَدُوَّكَ بِرَأْيٍ غَيْرِ مُتَبَدِّدٍ، وَبِحَزْمٍ غَيْرِ مُتَّكِلٍ، وَلَا تَرْكَنَنَّ إلَى الدَّوْلَةِ فَرُبَّمَا انْقَلَبَتْ، وَاسْتَشِرْ مَنْ لَا يَطْمَعُ فِي مُلْكِكَ وَلَا يُسَرُّ بِقَتْلِكَ وَاسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى تُوَفَّقْ، وَأَوْصَتْ الدُّبَالُ الْعَبْسِيَّةُ ابْنَهَا الْفَتَّاكَ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ: يَا بُنَيَّ لَا تَنْشَبْ فِي حَرْبٍ وَإِنْ وَثِقْتَ بِشِدَّتِكَ حَتَّى تَعْرِفَ وَجْهَ الْمَهْرَبِ مِنْهَا، فَإِنَّ النَّفْسَ أَقْوَى شَيْءٍ إذَا وَجَدَتْ سَبِيلَ الْحِيلَةِ، وَأَصْعَبُ شَيْءٍ إذَا يَئِسَتْ مِنْهَا، وَأَحْمَدُ الْحِيلَةِ مَا كَانَتْ
الْحِيلَةُ مُدَبَّرَةً لَهَا، وَكَانَ النَّصْرُ مِنْ اللَّهِ قَائِدَهَا، وَاخْتَلِسْ