الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٥........................................
-----------------
مَنْ تُحَارِبُ خِلْسَةَ الذِّئْبِ وَطِرْ مِنْهَا طَيَرَانَ الْغُرَابِ، فَإِنَّ الْحَزْمَ وَالْحَذَرَ تَمَامُ الشَّجَاعَةِ، وَالتَّهَوُّرَ عَدُوُّ الشَّجَاعَةِ.
وَقَالَ أَبُو السَّرَايَا: - وَكَانَ أَحَدَ الْفُتَّاكِ - لِابْنِهِ: " يَا بُنَيَّ، كُنْ بِحِيلَتِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِشِدَّتِكَ، وَبِحَذَرِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِشَجَاعَتِكَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ حَرْبُ التَّهَوُّرِ وَغَيْمَةُ الْحَذَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ الدُّوَلُ صَارَتْ حِيلَتُهَا وَبَالًا، وَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حُلُولِ الْبَلَاءِ كَانَتْ الْآفَةُ فِي الْحِيلَةِ ".
وَقَالَتْ الْحُكَمَاءُ: إذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ كَانَ الْعَطَبُ فِي الْحِيلَةِ وَيَغْلِبُ الضَّعِيفُ بِإِقْبَالِ دَوْلَتِهِ كَمَا يُغْلَبُ الْقَوِيُّ بِفِنَاءِ مُدَّتِهِ.
وَقَالُوا: سُعُودُ الدُّوَلِ وَنُحُوسُهَا مَقْرُونَةٌ بِسُعُودِ الْمَلِكِ وَنُحُوسِهِ، وَقَالُوا: يُثْنَى عَلَى كُلِّ أَمِيرٍ فِي دَوْلَتِهِ فَإِذَا انْقَضَتْ دَوْلَتُهُ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا وَلَّتْ دَوْلَةٌ وَلَّتْ أُمَّةٌ، وَإِذَا جَاءَتْ دَوْلَةٌ جَاءَتْ أُمَّةٌ، وَقَالُوا: رُبَّ حِيلَةٍ أَهْلَكَتْ الْمُحْتَالَ، فَمِنْ الْحَزْمِ الْمَأْلُوفِ عِنْدَ سُوَّاسِ الْحُرُوبِ أَنْ تَكُونَ حُمَاةُ الرِّجَالِ وَكُمَاةُ الْأَبْطَالِ فِي الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ مَهْمَا انْكَسَرَ الْجَنَاحَانِ فَالْعُيُونُ نَاظِرَةٌ إلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا كَانَتْ رَايَاتُهُ تَخْفِقُ وَطُبُولُهُ تَدُقُّ كَانَ حِصْنًا لِلْجَنَاحَيْنِ، يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ مُنْهَزِمٍ، وَإِنْ انْكَسَرَ الْقَلْبُ تَمَزَّقَ الْجَنَاحَانِ؛ مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّائِرَ إذَا انْكَسَرَ أَحَدُ جَنَاحَيْهِ تُرْجَى عَوْدَتُهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَإِنْ انْكَسَرَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَنَاحَانِ، وَلَا يُحْصَى كَثْرَةُ انْكِسَارِ جَنَاحَيْ الْعَسْكَرِ وَثَبَاتُ الْقَلْبِ ثُمَّ تَرَاجَعَ الْفَارُّونَ، إلَى الْقَلْبِ فَيَكُونُ الظَّفَرُ بِهِمْ، وَقَلَّمَا عَسْكَرٌ انْكَسَرَتْ قَلْبُهُ فَأَفْلَحَ أَوْ تَرَاجَعَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةٌ مِنْ صَاحِبِ
الْجَيْشِ فَيُخَلِّيَ الْقَلْبَ قَصْدًا