الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٦......................................
-----------------
وَتَعَمُّدًا حَتَّى إذَا تَوَسَّطَهُ الْعَدُوُّ وَاشْتَغَلَ بِنَهْبِهِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجَنَاحَانِ، وَقَدْ فَعَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْحُرُوبِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَكَائِدِ فِي الْحُرُوبِ الْكَمِينُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسَ لَا يَزَالُ عَلَى حَمِيَّةٍ فِي الدِّفَاعِ عَنْ حِمَى الذِّمَارِ حَتَّى يَلْتَفِتَ فَيَرَى نَبْذًا مَنْشُورًا وَيَسْمَعَ صَوْتَ الطُّبُولِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَمُّهُ خَلَاصَ نَفْسِهِ، وَعَلَيْكَ بِانْتِخَابِ الْفُرْسَانِ وَاخْتِيَارِ الْأَبْطَالِ وَلَا تَنْسَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ … وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ إنْ أَمْرٌ عَنَى
بَلْ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ فَوُجِدَ الْوَاحِدُ خَيْرًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَسَأَحْكِي لَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقْضِي فِيهِ الْعَجَبَ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا الْتَقَى الْمُسْتَعِينُ بْنُ هُودٍ مَعَ الطَّاغِيَةِ ابْنِ رُومِيلَ النَّصْرَانِيِّ عَلَى مَدِينَةٍ وَشُقَّةٍ مِنْ ثُغُورِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ الْعَسْكَرَانِ كَالْمُتَكَافِئِينَ كُلُّ وَاحِدٍ يُرَاهِقُ عِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ بَيْنَ خَيْلٍ وَرِجَالٍ، فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِمَّنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ مِنْ الْأَجْنَادِ، وَقَالَ: لَمَّا دَنَا اللِّقَاءُ قَالَ الطَّاغِيَةُ ابْنُ رُومِيلَ لِمَنْ يَثِقُ بِعَقْلِهِ وَمُمَارَسَتِهِ لِلْحُرُوبِ مِنْ رِجَالِهِ: اسْتَعْلِمْ لِي مَنْ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشُّجْعَانِ الَّذِينَ نَعْرِفُهُمْ كَمَا يَعْرِفُونَا، وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ وَمَنْ حَضَرَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: فِيهِمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَعَدَّ سَبْعَةَ رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ: اُنْظُرْ فِي عَسْكَرِي مِنْ الرِّجَالِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ فَعَدَّهُمْ فَوَجَدَهُمْ ثَمَانِيَةً لَا يَزِيدُونَ، فَقَامَ الطَّاغِيَةُ ضَاحِكًا مَسْرُورًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا بَيَّاكَ مِنْ يَوْمٍ، يَعْنِي مَا أَشَدَّ بَيَاضَكَ مِنْ يَوْمٍ، ثُمَّ ثَارَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ فَلَمْ تَزَلْ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَلَمْ يُوَلِّ أَحَدُهُمْ دُبُرَهُ وَلَا تَزَحْزَحَ عَنْ مَقَامِهِ حَتَّى فَنِيَ أَكْثَرُ الْعَسْكَرَيْنِ، وَلَمْ يَفِرَّ
وَاحِدٌ مِنْهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ نَظَرُوا إلَيْنَا سَاعَةً ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْنَا حَمْلَةً وَأَدْخَلُونَا مُدَاخَلَةً فَفَرَّقُوا بَيْنَنَا وَصِرْنَا شَطْرَيْنِ، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا، فَكَانَ ذَلِكَ