شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٧

..........................................

------------------

سَبَبَ وَهْنِنَا وَضَعْفِنَا وَلَمْ تَقُمْ الْحَرْبُ إلَّا سَاعَةً وَنَحْنُ فِي خَسَارَةٍ مَعَهُمْ فَأَشَارَ مُقَدَّمُ الْعَسْكَرِ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَنْجُوَ بِنَفْسِهِ، وَانْكَسَرَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، وَمَلَكَ الْعَدُوُّ مَدِينَةً وَشُقَّةً جَبَرَهَا اللَّهُ، فَلْيَعْتَبِرْ ذُو الْحَزْمِ وَالْبَصِيرَةِ مِنْ جَمْعٍ يَحْتَوِي عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ وَلَمْ يَحْضُرْهُ مِنْ الشُّجْعَانِ الْمَعْدُودِينَ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَةَ نَفَرًا، وَلْيَعْتَبِرْ بِضَمَانِ الْعِلْجِ بِالظَّفَرِ وَاسْتِبْشَارِهِ بِالْغَنِيمَةِ لَمَّا زَادَ فِي أَبْطَالِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ.

قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وَسَمِعْتُ أُسْتَاذَنَا الْقَاضِيَ أَبَا الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ يَحْكِي قَالَ: بَيْنَمَا الْمَنْصُورُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ فِي غَزَوَاتِهِ؛ إذْ وَقَفَ عَلَى نَشْزٍ مِنْ الْأَرْضِ مُرْتَفِعٍ فَرَأَى جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَقَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ فَالْتَفَتَ إلَى مُقَدَّمِ الْعَسْكَرِ وَهُوَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِابْنِ الْمُضْجِعِيِّ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى هَذَا الْعَسْكَرَ أَيُّهَا الْوَزِيرُ؟ قَالَ ابْنُ الْمُضْجِعِيِّ: أَرَى جَمْعًا كَثِيرًا وَجَيْشًا وَاسِعًا، قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: لَا يَعْجِزُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْجَيْشِ أَلْفُ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّجَاعَةِ وَالْبَسَالَةِ، فَسَكَتَ ابْنُ الْمُضْجِعِيِّ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: وَمَا سُكُوتُكَ؟ أَلَيْسَ فِي هَذَا الْجَيْشِ أَلْفُ مُقَاتِلٍ بَطَلٍ؟ قَالَ: لَا، فَتَعَجَّبَ الْمَنْصُورُ ثُمَّ انْعَطَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَفِيهِمْ خَمْسُمِائَةٍ؟ قَالَ: لَا أَفِيهِمْ خَمْسُونَ مِنْ الْأَبْطَالِ؟ قَالَ: لَا فَسَبَّهُ الْمَنْصُورُ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ عَلَى أَقْبَحِ صِفَةٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِلَادَ

الْمُشْرِكِينَ اجْتَمَعَتْ الرُّومُ وَتَصَافَّ الْجَمْعَانِ فَبَرَزَ عِلْجٌ مِنْ الرُّومِ شَاكِي السِّلَاحِ يَكُرُّ وَيَفِرُّ وَهُوَ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، فَبَرَزَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً فَقَتَلَهُ الْعِلْجُ فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ وَصَاحُوا، وَاضْطَرَبَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ جَعَلَ الْعِلْجُ يَمْرَحُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ اثْنَانِ