الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩١..........................................
--------------------
وَهُوَ فِي أَلْفٍ وَسِتِّ مِائَةِ رَجُلٍ فَطَمِعَتْ فِيهِمْ الرُّومُ فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَلَى الرُّومِ " تَدْمِيرُ " اسْتَخْلَفَهُ " لُذْرِيقُ " مَلِكُ الرُّومِ، وَكَتَبَ لِ لُذْرِيقَ يُعْلِمُهُ بِأَنَّ قَوْمًا لَا نَدْرِي أَمِنْ الْأَرْضِ هُمْ أَمْ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ قَدْ وَصَلُوا إلَى بِلَادِنَا، وَقَدْ لَقِيتُهُمْ فَانْهَضْ إلَيَّ بِنَفْسِكَ، فَأَتَاهُ " لُذْرِيقُ " فِي تِسْعِينَ أَلْفِ عِنَانٍ، وَلَقِيَهُمْ طَارِقٌ وَعَلَى خَيْلِهِ مُغِيثٌ الرُّومِيُّ مَوْلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاقْتَتَلُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَرَأَى طَارِقٌ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ فَقَامَ يَحُضُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الشَّهَادَةِ، وَبَسَطَ فِي أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْمَفَرُّ، الْبَحْرُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَالْعَدُوُّ أَمَامَكُمْ، فَلَيْسَ إلَّا الصَّبْرُ مِنْكُمْ، وَالنَّصْرُ مِنْ رَبِّكُمْ، وَأَنَا فَاعِلٌ شَيْئًا فَافْعَلُوا كَفِعْلِي، وَاَللَّهِ لَأَقْصِدَنَّ طَاغِيَتَهُمْ فَإِمَّا أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ، فَاسْتَوْثَقَ طَارِقٌ مِنْ حِلْيَةِ " لُذْرِيقَ " وَعَلَامَتِهِ وَخَيْمَتِهِ ثُمَّ حَمَلَ مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلَ اللَّهُ " لُذْرِيقَ " بَعْدَ قَتْلٍ ذَرِيعٍ فِي الْعَدُوِّ، وَحَمَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُقْتَلْ كَبِيرُ شَيْءٍ وَانْهَزَمَتْ الرُّومُ فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَهَذَا مَا يَأْتِي عَلَى الْمُلُوكِ مِنْ لُزُومِهِمْ مَكَانًا وَاحِدًا، وَأَخَذَ طَارِقٌ رَأْسَ " لُذْرِيقَ " فَبَعَثَ بِهِ إلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَبَعَثَ بِهِ مُوسَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسَارَ مُغِيثٌ إلَى قُرْطُبَةَ وَسَارَ طَارِقٌ إلَى طُلَيْطِلَة، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرُ الْمَائِدَةِ الَّتِي يَذْكُرُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهَا مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد، فَدَفَعَ إلَيْهِ ابْنُ أُخْتِ " لُذْرِيقَ " الْمَائِدَةَ وَالتَّاجَ فَقُوِّمَتْ الْمَائِدَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ بِمَا فِيهَا مِنْ الْجَوَاهِرِ الَّتِي لَمْ يُرَ مِثْلُهَا.
وَبِهَذِهِ الْحِيلَةِ قَهَرَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ مَلِكُ التُّرْكِ مَلِكَ الرُّومِ وَقَبَضَهُ وَقَتَلَ رِجَالَهُ وَأَبَادَ جَمْعَهُ، وَكَانَتْ الرُّومُ قَدْ جَمَعَتْ جُيُوشًا قَلَّ أَنْ يَجْتَمِعَ مِثْلُهَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَكَانَ مَبْلَغُ عَدَدِهِمْ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، كَتَائِبُ مُتَوَاصِلَةٌ، وَعَسَاكِرُ مُتَرَادِفَةٌ،