شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٢

...............................................

------------------

وَكَرَادِيسُ يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا كَالْجِبَالِ الشَّامِخَةِ، لَا يُدْرِكُهُمْ الطَّرْفُ وَلَا تُحْصِيهِمْ الْعِدَّةُ، أَيْ إلَّا بِحِسَابِ الْقَائِمِ عَلَى كُلِّ جَمَاعَةٍ، وَكَمْ تَحْتَ كُلِّ قَائِمٍ أَوْ بِمَشْيِهِمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ آحَادًا أَوْ مَثْنًى أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَعَدُّوا مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَجَانِيقِ وَالْآلَاتِ الْمُعَدَّةِ لِفَتْحِ الْحُصُونِ وَالْحُرُوبِ مَا يَعْجِزُ الْوَصْفُ عَنْهَا، وَكَانُوا قَدْ قَسَمُوا بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَدِيَارَ بَكْرٍ، وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّ الدَّوْلَةَ قَدْ دَارَتْ لَهُمْ، وَأَنَّ نُجُومَ السُّعُودِ قَدْ خَدَمَتْهُمْ وَتَوَاتَرَتْ أَخْبَارُهُمْ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاضْطَرَبَتْ لَهَا بِلَادُ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَشَدَ لِلِقَائِهِمْ أَلْبُ أَرْسِلَانَ التُّرْكِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَلِكَ الْعَادِلَ، وَجَمَعَ جُمُوعَهُ بِمَدِينَةِ أَصْفَهَانَ وَاسْتَعَدَّ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ يَؤُمُّهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ الْعَسْكَرَانِ يَتَدَانَيَانِ إلَى أَنْ عَادَتْ طَلَائِعُ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَقَالَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ: غَدًا يَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ، فَبَاتَ الْمُسْلِمُونَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْقَوْمُ فِي عَدَدِهِمْ لَا يُحْصِيهِمْ إلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ، وَمَا لَهُمْ فِي الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَكْلَةُ جَائِعٍ، فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ وَاجْتَمَعُوا لِمَا دَهَمَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا صَبَاحَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَهَالَ الْمُسْلِمِينَ مَا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقُوَّتِهِمْ وَآلَاتِهِمْ،

فَأَمَرَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ أَنْ يَعْتَدَّ فَبَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ تُرْكِيٍّ فَإِذَا هُمْ مِنْهُمْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ، فَجَمَعَ ذَوُو الرَّأْيِ رَأْيَهُمْ مِنْ الْحَرْبِ وَالتَّدْبِيرِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالنَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي اسْتِخْلَاصِ صَوَابِ الرَّأْيِ فَتَشَاوَرُوا، ثُمَّ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى اللِّقَاءِ، وَقَالُوا: بِسْمِ اللَّهِ، فَحَمَلَ فَقَالَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ أَمْهِلُوا فَهَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمُسْلِمُونَ يَخْطُبُونَ وَيَدْعُونَ لَنَا عَلَى الْمَنَابِرِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَفَاءَتْ الْأَفْيَاءُ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَلَّوْا وَصَلَّيْنَا نَحْنُ عَمِلْنَا أَمْرَنَا، فَصَبَرُوا إلَى أَنْ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلَّوْا