الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٣...............................................
------------------
وَدَعَوْا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَ دِينَهُ، وَأَنْ يَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ الصَّبْرَ، وَأَنْ يُوهِنَ عَدُوَّهُ، وَيُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ.
وَكَانَ أَلْبُ أَرْسِلَانَ قَدْ اسْتَوْثَقَ مِنْ خَيْمَةِ مَلِكِ الرُّومِ وَعَلَامَتِهِ وَفَرَسِهِ وَزِيِّهِ ثُمَّ قَالَ لِرِجَالِهِ: لَا يَتَخَلَّفُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِي، وَيَضْرِبَ بِسَيْفِهِ وَيَرْمِيَ بِسَهْمِهِ حَيْثُ أَرْمِي بِسَهْمِي وَأَضْرِبُ بِسَيْفِي، ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ إلَى خَيْمَةِ مَلِكِ الرُّومِ فَقَتَلُوا مَنْ دُونَهَا وَخَلَصُوا إلَيْهِ وَقُتِلَ مَنْ حَوْلَهُ وَأُسِرَ مَلِكُ الرُّومِ وَجَعَلُوا يُنَادُونَ بِلِسَانِ الرُّومِ: قُتِلَ الْمَلِكُ، قُتِلَ الْمَلِكُ، فَسَمِعَتْ الرُّومُ أَنَّهُ قُتِلَ فَشُرِّدُوا وَتَمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ وَعَمِلَ السَّيْفُ فِيهِمْ أَيَّامًا وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَغَنَائِمَهُمْ، وَاسْتُحْضِرَ مَلِكُ الرُّومِ بَيْنَ يَدَيْ أَلْبِ أَرْسِلَانَ بِحَبْلٍ فِي عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ أَلْبُ أَرْسِلَانَ: مَاذَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِي لَوْ أَخَذْتَنِي؟ قَالَ: وَهَلْ تَشُكُّ أَنِّي أَقْتُلُكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَلْبُ أَرْسِلَانَ: أَنْتَ أَقَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أَقْتُلَكَ، اذْهَبُوا بِهِ فَبِيعُوهُ، فِيمَنْ يَزِيدُ، فَكَانَ يُقَادُ بِالْحَبْلِ وَيُنَادَى عَلَيْهِ: مَنْ يَشْتَرِي مَلِكَ الرُّومِ؟ وَمَا زَالُوا يَطُوفُونَ بِهِ كَذَلِكَ عَلَى الْخِيَامِ وَمَنَازِلِ الْمُسْلِمِينَ وَيُنَادَى عَلَيْهِ بِالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ حَتَّى بَاعُوهُ مِنْ إنْسَانٍ بِكَلْبٍ، فَأَخَذَ الَّذِي تَوَلَّى بَيْعَهُ الْكَلْبَ وَالْمَلِكَ، وَجَاءَ بِهِمَا أَلْبَ أَرْسِلَانَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ طُفْتُ فِي الْعَسْكَرِ جَمِيعِهِ وَنَادَيْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْذُلْ أَحَدٌ فِيهِ شَيْئًا إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ دَفَعَ إلَيَّ فِيهِ كَلْبًا، فَقَالَ لَهُ أَلْبُ أَرْسِلَانَ: قَدْ أَنْصَفَكَ إنَّ هَذَا الْكَلْبَ خَيْرٌ مِنْهُ فَاقْبِضْ الْكَلْبَ وَادْفَعْ إلَيْهِ هَذَا الْكَلْبَ، ثُمَّ أَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِ فَذَهَبَ إلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَكَحَّلَتْهُ الرُّومُ بِالنَّارِ، فَانْظُرْ مَا يَتَأَتَّى لِلْمُلُوكِ إذَا عَرَفُوا مَا فِي الْحُرُوبِ مِنْ الْمَكِيدَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُدَمَاءَ قَالُوا: لِلْكَثْرَةِ الرُّعْبُ، وَلِلْقِلَّةِ النَّصْرُ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ