الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٤...............................................
------------------
تَعَالَى قَالَ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٌ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
وَالْكَثْرَةُ أَبَدًا يَصْحَبُهَا الْإِعْجَابُ، وَمَعَ الْإِعْجَابِ الْهَلَاكُ، وَخَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ [وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ] آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ جَيْشٌ بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ، وَاَلَّذِي نَفْعَلُهُ فِي لِقَاءِ عَدُوِّنَا أَنْ يَتَقَلَّدَ الرَّجَّالَةُ بِالدُّرُوقِ الْكَامِلَةِ، وَالرِّمَاحِ الطِّوَالِ، وَالْمَزَارِقُ الْمَسْنُونَةِ النَّافِذَةِ، فَيَصُفُّوا صُفُوفَهُمْ وَرِمَاحَهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَصُدُورُهَا شَارِعَةٌ إلَى عَدُوِّهِمْ، وَهُمْ جَاثِمُونَ فِي الْأَرْضِ رُكْبَتُهُ الْيُسْرَى وَتُرْسُهُ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلْفَهُمْ الرُّمَّاحُ الْمُخْتَارُونَ، وَالْخَيْلُ خَلْفَ الرُّمَاةِ، فَإِذَا جَالَتْ الرُّومُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نِلْنَا مِنْهُمْ.
وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ حَضَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ فِي بَلَدِي بِطَرْطُوشَةَ قَالَ: صَافَفْنَا الرُّومَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا، فَبَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَّا كَانَ فِي الصَّفِّ فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ عِلْجٌ مِنْ الْعَدُوِّ فَأَصَابَ غِرَّتَهُ فَقَتَلَهُ.
وَلَمَّا بَرَزَ الْمُقْتَدِرُ هُودٌ مَلِكُ شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ سَرَقُسْطَةَ فِي بِلَادِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ - حَمَاهَا اللَّهُ - لِلِقَاءِ الطَّاغِيَةِ مَلِكِ الرُّومِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ اسْتَحْشَرَ بِمَا فِي مَيْسُورِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ ثُمَّ تَنَازَلُوا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ تَصَافُّوا وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ صَدْرًا كَبِيرًا مِنْ النَّهَارِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي خَسَارَةٍ، فَأَفْزَعَ الْمُقْتَدِرَ ذَلِكَ، وَفَرِقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شُؤْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَدَعَا الْمُقْتَدِرُ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ