شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٥

...............................................

------------------

لَمْ يَكُنْ بِالثُّغُورِ أَعْرَفُ بِالْحُرُوبِ مِنْهُ يُسَمَّى سَعْدَارَاتَ، فَقَالَ لَهُ الْمُقْتَدِرُ: كَيْفَ تَرَى هَذَا الْيَوْمَ؟ قَالَ سَعْدَارَاتُ: هَذَا يَوْمٌ أَسْوَدُ، لَكِنْ بَقِيَتْ لِي حِيلَةٌ، فَذَهَبَ سَعْدَارَاتُ وَكَانَ زِيُّهُ زِيَّ الرُّومِ، وَكَلَامُهُ كَلَامَهُمْ لِمُجَاوَرَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ، فَانْغَمَسَ فِي عَسْكَرِ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَصَدَ إلَى الطَّاغِيَةِ فَلَقِيَهُ شَاكِيَ السِّلَاحِ مُكَفَّنًا فِي الْحَدِيدِ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ إلَّا عَيْنَاهُ، فَجَعَلَ يَتَرَصَّدُ غِرَّتَهُ إلَى أَنْ أَمْكَنَتْهُ الْفُرْصَةُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ، وَجَعَلَ يُنَادِي بِلِسَانِ الرُّومِ: قُتِلَ السُّلْطَانُ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ وَشَاعَ قَتْلُهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَكَانَ الْفَتْحُ بِإِذْنِ اللَّهِ.

وَلَمَّا اسْتَضْعَفَتْ الرُّومُ صِقِلِّيَّةَ ضُرِبَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجُ فَكَانُوا يَحْمِلُونَ إلَيْهِمْ الْخَرَاجَ وَيَحْمِلُونَ الْأَمْوَالَ إلَى الْعَرَبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ يَسْتَنْجِدُونَ بِهِمْ عَلَى الرُّومِ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ رَجُلٍ كَهْلٍ لَهُ زَوْجَتَانِ عَجُوزٌ وَصَبِيَّةٌ فَكَانَ إذَا بَاتَ عِنْدَ الصَّبِيَّةِ تَلْقُطُ الشَّيْبَ مِنْ لِحْيَتِهِ؛ كَيْ تُخْفِيَ أَمَارَةَ الشَّيْخِ، وَاذَا بَاتَ عِنْدَ الْعَجُوزِ تَلْقُطُ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ مِنْ لِحْيَتِهِ؛ لِتُسَمِّجَهُ فِي عَيْنِ الصَّبِيَّةِ فَيُوشِكَ إنْ دَامَ هَذَا يَبْقَى بِلَا لِحْيَةٍ، كَذَلِكَ حَالُكُمْ مَعِي وَمَعَ الْعَرَبِ إذَا أَدَّيْتُمْ الْأَمْوَالَ لِلْعَرَبِ يُوشِكُ أَنْ يَنْفَدَ مَالُكُمْ فَتَبْقَوْا فُقَرَاءَ ضُعَفَاءَ لَا شَيْءَ لَكُمْ.

وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ [مَلِكُ الرُّومِ] أَخْذَ صِقِلِّيَّةَ أَمَرَ أَنْ يُبْسَطَ بِسَاطٌ فِي الْأَرْضِ قَدْ جُعِلَ فِي وَسَطِهِ دِينَارٌ ثُمَّ قَالَ لِوُجُوهِ رِجَالِهِ: مَنْ أَخَذَ مِنْكُمْ هَذَا الدِّينَارَ وَلَمْ يَطَأْ الْبِسَاطَ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ فَوَقَفُوا حَوْلَهُ وَلَا يَصِلُ أَحَدٌ إلَيْهِ، فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ ذَلِكَ طَوَى نَاحِيَةَ الْبِسَاطِ مِنْ عِنْدِهِ وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَطْوِيَ مِنْ نَاحِيَتِهِ حَتَّى طُوِيَ الْبِسَاطُ فَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فَلَحِقُوا الدِّينَارَ، فَحِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ: إذَا أَرَدْتُمْ مَدِينَةَ