شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٦

...............................................

------------------

صِقِلِّيَّةَ فَخُذُوا مَا حَوْلَهَا مِنْ الْحُصُونِ الصِّغَارِ وَالْمُدُنِ وَالضِّيَاعِ وَالْقُرَى حَتَّى إذَا ضَعُفَتْ أَخَذْتُمُوهَا.

وَكَانَ بِسَرَقُسْطَةَ فَارِسٌ يُقَالُ لَهُ " ابْنُ فَتْحُونٍ " وَكَانَ يُنَاسِبُنِي مِنْ جِهَةِ أُمِّي فَيَقَعُ خَالِي، وَكَانَ أَشْجَعَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ أَبُو الْمُقْتَدِرِ بِاَللَّهِ يَرَى ذَلِكَ لَهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَكَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَطِيَّةٍ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ بِأَسْرِهَا قَدْ عَرَفَتْ مَكَانَهُ وَهَابَتْ لِقَاءَهُ، فَيُحْكَى أَنَّ الرُّومِيَّ كَانَ إذَا سَقَى فَرَسَهُ فَلَمْ يَشْرَبْ يَقُلْ: اشْرَبْ أَوْ ابْنَ فَتْحُونٍ رَأَيْتَ فِي الْمَاءِ، فَحَسَدَهُ نُظَرَاؤُهُ عَلَى كَثْرَةِ الْعَطَاءِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَأَوْغَرُوا بِهِ صَدْرَ الْمُسْتَعِينِ فَمَنَعَهُ بَعْضَ مَا كَانَ يُعْطِيهِ إيَّاهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَعِينَ أَنْشَأَ غَزْوَةً إلَى بِلَادِ الرُّومِ فَتَوَاقَفَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ صُفُوفًا، ثُمَّ بَرَزَ عِلْجٌ إلَى وَسَطِ الْمَيْدَانِ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، فَخَرَجَ إلَيْهِ فَارِسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً فَقَتَلَهُ الرُّومِيُّ، فَصَاحَ الْكُفَّارُ سُرُورًا وَانْكَسَرَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَكِرُّ وَيَفِرُّ وَيَقُولُ: اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، خَرَجَ إلَيْهِ فَارِسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً فَقَتَلَهُ الرُّومِيُّ فَصَاحَ الْكُفَّارُ سُرُورًا وَانْكَسَرَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَكِرُّ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَيُنَادِي: ثَلَاثَةٌ بِوَاحِدٍ فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ وَبَقِيَ النَّاسُ فِي حَيْرَةٍ فَقِيلَ لِلسُّلْطَانِ: مَا لَهَا إلَّا أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ فَتْحُونٍ، فَدَعَاهُ، فَجَاءَهُ، فَتَلَطَّفَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَمَا تَرَى مَا يَصْنَعُ هَذَا الْعِلْجُ؟ فَقَالَ: هَا هُوَ بِعَيْنِي فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَكْفِيَ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ السَّاعَةَ، قَالَ: يَكُونُ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ، فَلَبِسَ غِلَالَةَ كَتَّانٍ وَاسْتَوَى عَلَى سَرْجِهِ بِلَا سِلَاحٍ وَأَخَذَ بِيَدِهِ سَوْطًا طَوِيلًا وَفِي طَرَفِهِ عُقَدٌ مَعْقُودَةٌ فَبَرَزَ إلَيْهِ فَعَجِبَ النَّصْرَانِيُّ.

وَحَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا