الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٨...............................................
------------------
وَالْحَازِمُ يَحْذَرُ عَدُوَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، الْمَرَاتِبُ إنْ قَرُبَ الْمُغِيرُ أَنْ يُعَدَّ وَالْكَمِينُ إنْ انْكَشَفَ، مَنْ اغْتَرَّ لِقُوَّتِهِ فَقَدْ وَهَنَ، وَلَيْسَ مِنْ الْقُوَّةِ التَّوَرُّطُ فِي الْهُوَّةِ، وَلْيَكُنْ أَشَدُّ مَا كُنْتَ حَذِرًا مَا كُنْتَ عِنْدَ نَفْسِكَ أَكْثَرَ قُوَّةً وَعَدَدًا، مَنْ اسْتَضْعَفَ عَدُوَّهُ عَثَرَهُ، وَمَنْ عَثَرَ ظَفِرَ بِهِ عَدُوُّهُ، وَأَشْعِرُوا قُلُوبَكُمْ فِي الْحَرْبِ الْجُرْأَةَ فَإِنَّهَا سَبَبُ الظَّفَرِ، وَاذْكُرُوا الظَّعَائِنَ فَإِنَّهَا تَبْعَثُ عَلَى الْإِقْدَامِ، وَالْتَزِمُوا الطَّاعَةَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الْمُحَارِبِ، إذَا وَقَعَ اللِّقَاءُ نَزَلَ الْقَضَاءُ، وَإِذَا لَقِيَ السَّيْفُ السَّيْفَ زَالَ الْحَيَاءُ، رُبَّ مَكِيدَةٍ أَبْلَغُ مِنْ نَجْدَةٍ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ هَزَمَتْ عَسْكَرًا، الصَّبْرُ سَيْفُ الظَّفَرِ مَعَ الصَّبْرِ، اجْعَلْ قِتَالَ عَدُوِّكَ آخِرَ حِيلَتِكَ، النَّصْرُ مَعَ التَّدْبِيرِ، لَا ظَفَرَ مَعَ بَغْيٍ، لَا تَقْتَرِنْ بِالْأَقْوَاءِ لِفَضْلِ قُوَّتِكَ عَلَى الضُّعَفَاءِ، لَا تَجْبُنُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ وَتُمَثِّلُوا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَا تُسْرِفُوا عِنْدَ الظُّهُورِ، وَلَا تَغُلُّوا عِنْدَ الْغَنَائِمِ، وَنَزِّهُوا الْجِيَادَ عَنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَأَصْلُ الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا فِي ثَبَاتِ الْقَلْبِ، وَمِنْهَا تُسْتَمَدُّ جَمِيعُ الْفَضَائِلِ، وَهُوَ الثُّبُوتُ عَلَى مَا يُوجِبُهُ الْعَدْلُ وَالْعِلْمُ، وَالْجُبْنُ غَرِيزَةٌ يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّجَاعَةُ حَالَةٌ بَيْنَ الْجُبْنِ وَالتَّهَوُّرِ.
وَسُئِلَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الشَّجَاعَةِ فَقَالَ:
صَبْرُ سَاعَةٍ، وَسُئِلَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: هِيَ الصَّبْرُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ فُوَاقَ نَاقَةٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَارَّ مِنْ الْقِتَالِ طَرِيدَةٌ مِنْ طَرَائِدِ الْمَوْتِ، وَاسْتِقْبَالُ الْمَوْتِ خَيْرٌ مِنْ اسْتِدْبَارِهِ، وَرُبَّ حَيَاةٍ سَبَبُهَا التَّعَرُّضُ لِلْآفَاتِ وَوَفَاةٍ سَبَبُهَا طَلَبُ الْحَيَاةِ، وَمَنْ حَرَصَ عَلَى الْمَوْتِ فِي الْجِهَادِ وُهِبَتْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَقَالُوا: الْهَزِيمَةُ شَفْرَةٌ مِنْ شِفَارِ الْمَوْتِ، وَالْفَارُّ يُمَكِّنُ [مِنْ] نَفْسِهِ، وَالْمُقَاتِلُ يَدْفَعُ عَنْهَا، وَثَمَرَةُ الشَّجَاعَةِ الْأَمْنُ مِنْ الْعَدُوِّ، وَمَنْ قُتِلَ مُدْبِرًا مِنْ الْحَرْبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ مُقْبِلًا، وَقَالُوا: تَأْخِيرُ الْأَجَلِ حِصْنُ الْمُحَارِبِ، قِيلَ لِبَعْضٍ: فِي أَيِّ جُثَّةٍ تُحِبُّ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ، وَقِيلَ لِآخَرَ: فِي