الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٩...............................................
------------------
أَيِّ سِلَاحٍ تَشْتَهِي أَنْ تُقَاتِلَ عَدُوَّكَ؟ قَالَ: فِي أَجَلٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِّي، وَانْقِضَاءِ مُدَّةٍ مِنْهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَتْ الْهَلَكَةُ فِي الْحَيَاةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ كَرِيهَةٍ تُدْفَعُ أَوْ مَكْرُمَةٍ تُكْسَبُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِالشَّجَاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إذَا هَمَمْتَ بِبَذْلِ شَيْءٍ مِنْ مَالِكَ حَارَ طَبْعُكَ وَوَهَنَ قَلْبُكَ وَعَجَزَتْ نَفْسُكَ بِشُحِّهَا بِهِ، وَإِذَا حَقَّقْتَ عَزْمَكَ وَقَوَّيْتَ نَفْسَكَ وَقَهَرْتَ عَجْزَكَ أَعْطَيْتَ مَا ضَنَنْتَ بِهِ مِنْ مَالِكَ، وَعَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الْقَلْبِ وَضَعْفِهِ تَطِيبُ بِإِخْرَاجِهِ وَتَكْرَهُ إخْرَاجَهُ، وَعَلَى هَذَا النَّمَطِ جَمِيعُ الْفَضَائِلِ مَتَى لَمْ تُقَارِنْهَا قُوَّةُ النَّفْسِ لَمْ تَتَحَقَّقْ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الشَّجَاعَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ فِيمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ "، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يُصَابِرُ امْتِثَالَ الْأَوَامِرِ، وَبِقُوَّةِ الطِّبِّ يَنْتَهِي عَنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالتَّلْطِيخِ بِالرَّذَائِلِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُضُوعَ لِرَبِّهِ … مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي الْمِحْرَابِ
وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يَصْبِرُ الْجَلِيسُ عَلَى أَذَى الْجَلِيسِ، وَجَفَاءِ الصَّاحِبِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُتَلَقَّى الْكَلِمَةُ الْعَوْرَاءُ مِمَّنْ جَفَا، وَالْكَلِمَةُ الْمُؤْذِيَةُ مِمَّنْ صَدَرَتْ مِنْهُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُكْتَمُ الْأَسْرَارُ وَيُدْفَعُ الْعَارُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُقْتَحَمُ الْأُمُورُ الصِّعَابُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تُتَحَمَّلُ أَثْقَالُ الْمَكَارِمِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يُصْبَرُ عَلَى أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ تَحْصُلُ كُلُّ عَزِيمَةٍ وَرَوِيَّةٍ أَوْجَبَهَا الْحَزْمُ وَالْعَدْلُ وَالْعَقْلُ، وَبِقُوَّةِ الْقَلْبِ يَضْحَكُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِ الرِّجَالِ، وَقُلُوبُهَا مَشْحُونَةٌ بِالضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ.