الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٠...............................................
------------------
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إنَّا لَنُصَافِحُ أَكُفًّا نَرَى قَطْعَهَا، وَالصَّبْرُ وَالشَّجَاعَةُ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَعَلَى سَمَاعِ الْحُقُوقِ مِمَّنْ أَلْقَاهَا إلَيْكَ غَالِبًا لِهَوَاكَ مَالِكًا لِشَهَوَاتِكَ مُلْتَزِمًا لِلْفَضَائِلِ بِجَهْدِكَ، عَامِلًا فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَا يَصْرِفُكَ عَنْهَا بَقَاءٌ وَلَا مَوْتٌ حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ مَوْتِكَ عَلَى الْخَيْرِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الْعِلْمُ وَأَوْجَبَهُ الْعَدْلُ، خَيْرٌ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ رَفْضُ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَا يُبَالِي أَبُوكَ لَوْ أَنَّ الْخَلْقَ خَالَفُوهُ إذَا كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَلْ الْخَيْرُ كُلُّهُ إلَّا لِلْحَقِّ بَعْدَ الْمَوْتِ؟.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُبْنَ مَقْتَلَةٌ، وَالْحِرْصَ مَحْرَمَةٌ، وَالْعَجْزَ ذُلٌّ، وَالْجُبْنَ ضَعْفٌ، وَالْجَبَانَ يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ يَفِرُّ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، وَالشُّجَاعَ يَحْمِي مَنْ لَا يُنَاسِبُهُ وَيَقِي مَالَ الْجَارِ وَالرَّفِيقِ بِنَفْسِهِ، وَالْجَبَانَ يَخَافُ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ، وَالْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ، وَقَالُوا: الشَّجَاعَةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: رَجُلٌ إذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَتَقَارَبَ الزَّحْفَانِ وَاكْتَحَلَتْ الْأَحْدَاقُ بِالْأَحْدَاقِ، بَرَزَ مِنْ الصَّفِّ إلَى الْوَسَطِ يَحْمِلُ وَيَكُرُّ وَيُنَادِي: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ، وَالثَّانِي إذَا تَنَاشَبَ الْقَوْمُ وَصَارُوا جَرْحَى مُخْتَلِطِينَ وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ يَكُونُ رَابِطَ الْجَأْشِ سَاكِنَ الْقَلْبِ حَاضِرَ اللُّبِّ، لَمْ يُخَامِرْهُ الدَّهْشُ وَلَا خَالَطَتْهُ الْحَيْرَةُ، فَيَتَقَلَّبُ تَقَلُّبَ الْقَائِمِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ؛ وَالثَّالِثُ إذَا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ يَلْزَمُ السَّاقَةَ وَيَضْرِبُ فِي وُجُوهِ الْعَدُوِّ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ وَيُرَجِّي الضُّعَفَاءَ وَيُقَوِّي قُلُوبَهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِالْكَلَامِ الْجَمِيلِ وَيُشَجِّعُ نُفُوسَهُمْ مِمَّنْ وَقَعَ أَمَامَهُ، وَمَنْ وَقَفَ حَمْلُهُ، وَمَنْ وَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ كُشِفَ عَنْهُ حَتَّى يَيْأَسَ الْعَدُوُّ مِنْهُ، وَهَذَا أَحْمَدُهُمْ فِي الشَّجَاعَةِ.