شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٩

...................................................

----------------

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ؛ إذْ ذَاكَ فِي عُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَلَمَّا أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَظْهَرَ دِينَهُ نَقَلَهُمْ إلَى الرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الْآيَةَ.

فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَقِفُوا مِنْ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ فِي النِّصْفِ وَلَيْسَتْ لَهُمْ مَقْدِرَةٌ بِأَمْرِ الْإِمَامَةِ كَانَ أَحَبُّ الْأُمُورِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَأَوْلَاهَا أَنْ يُقِيمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَالِ الْكِتْمَانِ فَكَانَ ذَلِكَ وَاسِعًا لَهُمْ، إلَّا أَنْ يَجْعَلُوهَا مِنْ حَالِ الشِّرَاءِ، وَالشِّرَاءُ مِنْ أَحَبِّ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُونُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الظُّهُورِ، غَيْرَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا لَمْ يَجْعَلُوا حَالَ الشِّرَاءِ الْوُجُوبَ وَالْفَرْضَ كَحَالِ الظُّهُورِ وَالدَّوْلَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُشِرْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَمَنْ شَاءَ قَامَ مُكْتَتِمًا بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فِي الْكِتْمَانِ حَالَ أَبِي عُبَيْدَةَ، هَذِهِ سِيرَةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَنْقِمْ فِيهَا خَارِجُهُمْ مِنْ مُقِيمِهِمْ وَلَا مُقِيمُهُمْ مِنْ خَارِجِهِمْ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَالِبِيَّةُ الْخَوَارِجِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا تَسَعُهُمْ الْإِقَامَةُ مَعَ الْجَبَابِرَةِ فِي الْكِتْمَانِ مُقَصِّرِينَ أَوْ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ وَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مُكْتَتِمًا غَيْرَ ظَاهِرٍ ا هـ.