الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٣٦٢...........................................
--------------------
غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مَلُومٍ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنِّي لَمْ أَبْعَثْ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالَ إلَى النَّاسِ لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَهُمْ وَلَا لِيَشْتِمُوا أَعْرَاضَهُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ إلَيْهِمْ لِيَجْمَعُوا شَمْلَهُمْ وَلِيُقَاتِلُوا عَنْهُمْ عَدُوَّهُمْ وَيَكُفُّوا عَنْهُمْ ظُلْمَهُمْ وَيُعَلِّمُوهُمْ كِتَابَ رَبِّهِمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ وَيَنْصِبُوا لَهُمْ طَرِيقَهُمْ وَيَأْخُذُوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ وَيَرُدُّوهَا فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأَنْ يُرْفِقُوا بِأَهْلِ ذِمَّتِهِمْ وَلَا يُكَلِّفُوهُمْ غَيْرَ طَاقَتِهِمْ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَهُ أَمِيرٌ مَظْلَمَةٌ أَوْ ضَرَبَهُ سَوْطًا وَاحِدًا فِي غَيْرِ حَقٍّ يَسْتَوْجِبُهُ فَلْيَرْفَعْ إلَيَّ أَقْتَصُّ مِنْهُ، وَآخُذُ لَهُ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ.
وَفِي الْأَثَرِ ": يَلْزَمُ السُّلْطَانَ حِفْظُ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ إهْمَالٍ، وَحِرَاسَةُ الْبَيْضَةِ وَالذَّبُّ عَنْ الْأُمَّةِ، وَعِمَارَةُ الْبُلْدَانِ بِاعْتِمَادِ مَصَالِحِهَا وَتَهْذِيبِ سُبُلِهَا وَتَقْدِيرِ مَا يَتَوَلَّى مِنْ الْأَمْوَالِ بِسُنَنِ الدِّينِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ فِي أَخْذِهَا وَإِعْطَائِهَا، وَإِزَالَةِ الْمَظَالِمِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَاخْتِيَارِ خُلَفَائِهِ فِي الْأُمُورِ مِنْ أَهْلِ الْكِفَايَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَبِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ مَحَبَّتَهُمْ وَصِدْقَهُمْ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ أَوَائِلِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ يُلْزِمُونَ أَنْفُسَهُمْ الْخُرُوجَ كُلَّ سَنَةٍ إلَى الْحَجِّ لِلِالْتِقَاءِ بِأَهْلِ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَخْرُجَانِ إلَى الْمَوْسِمِ كُلَّ سَنَةٍ؛ لِيَلْتَقُوا بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ وَيَسْأَلُوهُمْ عَنْ وُلَاتِهِمْ لِيَدُلُّوا عَلَيْهِمْ وَيَحْمِلُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِ اللَّهِ، وَلَا يُكَلِّفُوا رَعَايَاهُمْ الْمَشَقَّاتِ، وَذَلِكَ مِنْ شَفَقَتِهِمْ، وَصِحَّةُ الْمَذْهَبِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى قَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمُهَا، وَلَا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَحْكَامِ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ عِلْمَهَا، وَكَذَا الْحَرْبُ لَا يُوَلِّي عَلَيْهَا إلَّا مَنْ يَعْرِفُ سِيَاسَتَهَا، وَالْحُكْمَ فِي الْعَدُوِّ، وَإِلَّا كَانَ جَائِرًا إذَا