شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع عشر

الجزء ١٤ · صفحة ٤٩٤

إنْ لَمْ يَكُنْ تَلَفٌ بِهَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِجُرْحِهِ لِنَفْسِهِ

--------------------------------

بِهِ تَبِعَاتُ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّ الْمُذْنِبَ لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِصْرَارَ فَيُرْضِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عِنْدِهِ صَاحِبَ الْحَقِّ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ﴾ رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمَعْنَى عَجِبَ رَبُّنَا عَظُمَ عِنْدَهُ ذَلِكَ وَكَبُرَ، وَقِيلَ: رَضِيَ بِهِ وَأَثَابَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ يُؤْجَرُ كَثِيرًا إنَّمَا هُوَ فِي مُدَافَعَةِ بَنِي آدَمَ وَقِتَالِهِمْ وَالْمَوْتِ فِي ذَلِكَ لِآيَاتِ الْجِهَادِ وَأَحَادِيثِهِ وَآثَارِهِ وَقِتَالِ الْبُغَاةِ لَا فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ كَمَا قَالَ: (إنْ لَمْ يَكُنْ تَلَفٌ بِهَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يَتْلَفُ بِهِ غَيْرُ بَنِي آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ إلْقَاءُ نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِتَنْجِيَةِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ إلَّا إنْ طَمِعَ فِي

الْحَيَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُنَجِّيَ نَفْسَهُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَاءِ فَيَمُوتُ هُوَ عَطَشًا (أَوْ بِجُرْحِهِ لِنَفْسِهِ) جُرْحًا يَتْلَفُ بِهِ.

أَمَّا جُرْحٌ لَا يَتْلَفُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يُنَجِّيَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ مَالَأَ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَقْتَحِمَ سِدْرَةً إلَى إنْسَانٍ وَقَعَ فِيهَا أَوْ جَرَّهُ إلَيْهَا سَبُعٌ فَيَقْتَحِمُهَا لِيُنْجِيَهُ، وَمِثْلُ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنْ مَدَّ إلَيْهِ مَا يَجْرَحُهُ جُرْحًا مُتْلِفًا لِيُنَجِّيَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يَمُوتُ وَلَا يَصِلُ إلَى تَنْجِيَةٍ أَوْ إلَى مَا يَعَضُّهُ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْجَائِرُ: اجْرَحْ نَفْسَك وَإِلَّا قَتَلْتُك أَوْ غَيْرَك أَوْ أَخَذْت الْمَالَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَمَّا جُرْحٌ لَا يَتْلَفُ بِهِ فَجَائِزٌ لَهُ التَّنْجِيَةُ بِهِ وَلَوْ لِمَالِ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا النَّفْسُ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَطْمَعُ فِي الْحَيَاة