شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس عشر

الجزء ١٥ · صفحة ٣٤١

............................

-------------------------

فَالْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْإِرْثِ، وَكَذَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فِي غَيْرِ الْمِيرَاثِ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: يَزِيدُ بِفَتْحِ الْبِلَادِ وَلَا يَنْقُصُ بِالِارْتِدَادِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْكِحُ الْحُرَّةَ وَلَا يَرِثُهَا، وَالْمُسْلِمَ يَغْنَمُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَلَا يَرِثُهُ، وَبِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا هُوَ عَلَى التَّوَالُدِ وَقَضَاءِ الْوَطَرِ، وَالْإِرْثَ عَلَى الْمُوَالَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَافْتَرَقَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اتِّصَالُنَا بِهِمْ فِيهِ تَشْرِيفًا لَهُمْ اخْتَصَّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَكَرَ شَارِحُ فَرَائِضِ التِّلِمْسَانِيِّ: أَنَّ مُعَاذًا وَمُعَاوِيَةَ قَالَا: إنَّهُ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ الْكِتَابِيَّ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَمَنْ وَرِثَ رَجُلًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ قَالَتْ العزابة: إنَّهُ يَنْتَفِي مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَيَرُدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يُمْسِكُ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَفِي الْأَثَرِ: وَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ لِوَرَثَتِهِ: أَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ مِنْ مِلَّةٍ مِنْ مِلَلِ الشِّرْكِ مَضَرَّةَ أَنْ لَا يَرِثُوهُ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَهُ وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إضْرَارَ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِيثِ: ﴿لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ﴾ فَقِيلَ: الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْإِسْلَامُ مِلَّةٌ، فَكُلُّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَصَابِئٍ وَمَجُوسِيٍّ وَجَاحِدٍ وَوَثَنِيٍّ يَرِثُ

الْآخَرَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَصَّا مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُشْرِكُونَ فِي تَصَرُّفِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ يَجْمَعُهُمْ أَعْظَمُ الْأُمُورُ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَجْعَلُ اخْتِلَافَهُمْ كَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ عَلَى اخْتِلَاف فِرَقِهِمْ كَالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ فِي الْبُطْلَانِ، وَفِي مُعَادَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّعَالِي عَلَيْهِمْ.

وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ