الجزء الخامس عشر
الجزء ١٥ · صفحة ٦٠٦......................................
-----------------------------
الْمُخَالَفَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: كَانَ مَهِيبًا فَهِبْتُهُ يَنْبَغِي بِأَنَّ إسْنَادَهُ كَانَ رَأْيًا وَاجْتِهَادًا وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ذَلِكَ لَمَا سَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ انْقِيَادًا إلَى الْحَقِّ وَأَعْظَمَ لِينًا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَخْلَاقِهِ فَقَدْ قَالَ مَرَّةً: أَصَابَتْ الْمَرْأَةُ وَأَخْطَأَ عُمَرُ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إلَى عُمَرَ عُيُوبَهُ وَقَالَ فِي قَضِيَّةٍ: كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ وَفِي قَضِيَّةِ الْحَامِلِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: هَذَا لَكَ عَلَيْهَا فَمَا لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا؟ قَالَ: عَجَزَ النِّسَاءُ أَنْ يَأْتِينَ بِمِثْلِ مُعَاذٍ، هَلَكَ عُمَرُ لَوْلَا مُعَاذٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ شِدَّتُهُ وَغِلْظَتُهُ فِي الْحَقِّ أَنْ يُخَالَفَ وَفِي الْمُحَرَّمَاتِ أَنْ تُنْتَهَكَ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ صَارَ مَحْجُوجًا
فَامْتَنَعَ.
وَمُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فِي) قَوْلِهِ: أَظْهَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْخِلَافَ، وَفِي قَوْلِهِ: كَانَ مَهِيبًا فَهِبْتُهُ يُقْتَضَى أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُخَالِفًا لَكِنَّهُ كَانَ كَاتِمًا وَإِنَّمَا أَظْهَرَهُ بَعْدَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ: قَالَ البسطي: الَّذِي يَظُنُّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِي زَمَانِ عُمَرَ وَقَابَلَ عُمَرُ قَوْلَهُ بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ مِنْهُمْ عُمَرُ وَرَجَّحَ قَوْلَهُمْ، وَبَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صَوَابُ مَا قَالُوهُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَلَا فَسَادُ مَا قَالَهُ هُوَ فَيَرْجِعُ عَنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سَكَتَ عَنْ الْخِلَافِ فِي زَمَانِ عُمَرَ لِهَيْبَةٍ كَانَتْ عَلَى، الْفَارُوقِ، وَلِمَا لِلْعَبَّاسِ وَالِدُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ فَفِيهِ نَظَرٌ، كَيْفَ يَسْكُتُ عَمَّا يَظْهَرُ لَهُ لِأَجْلِ هَذَا وَغَيْرُ الصَّحَابَةِ لَا يَظُنُّ بِهِمْ هَذَا؟.
فَكَيْفَ بِهِمْ وَمَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا لَا سِيَّمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ هُوَ الَّذِي أَحْوَجَ البسطي إلَى أَنْ قَالَ مَا قَالَ، وَالْجَوَابُ مَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ