شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٦

.................................

---------------------------------

كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿كَسَبُوا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ تَرْكَ الْفَرْضِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْحَجِّ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ، وَسُمِّيَ تَرْكُ النَّهْيِ صُنْعًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ فِي بَابِ: نَوَاقِضِ الصَّلَاةِ مِرَارًا: أَنَّ السُّكُوتَ فِعْلٌ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا لِضِدِّهِ سُمِّيَ فِعْلًا كَتَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِهَا أَوْ سُكُونٌ، وَالسُّكُونُ لُبْثٌ وَهُوَ فِعْلٌ، فَإِنَّ كُلَّ سَكْنَةٍ دَقِيقَةٍ غَايَةَ الدِّقَّةِ هِيَ عَلَى حِدَّتِهَا عَرَضٌ فَهِيَ فِعْلٌ لِأَنَّهُ عَرَضٌ صَدَرَ مِمَّنْ يَفْعَلُ، وَالْجِسْمُ لَا يَفْعَلُ جِسْمًا بَلْ يَفْعَلُ عَرَضًا.

قُلْتُ: إذَا أَحَبَّتْ نَفْسُكَ شَيْئًا فَتَرَكْتَهُ فَتَرْكُكَهُ فِعْلٌ لِأَنَّكَ جَبَذْتَهَا عَنْهُ وَأَعْرَضْتَ عَنْ فِعْلِهِ، وَفِي السُّؤَالَاتِ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ حَرَكَةٌ وَسُكُونٌ مِنْ سُؤَالِ 84، وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى التَّرْكُ فِعْلًا، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ تَرْكَ اللَّهِ فِعْلٌ تَارَةً وَغَيْرُهُ أُخْرَى، فَتَرْكُهُ إذْلَالَنَا

فِعْلٌ لِأَنَّهُ إعْزَازٌ وَتَرْكُهُ خَلْقَ الْخَلْقِ فِي الْأَزَلِ أَوْ بَعْدَ الْأَزَلِ قَبْلَ وَقْتِ خَلْقِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ غَيْرُ فِعْلٍ إذْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، وَلَا يُوصَفُ بِالسُّكُونِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ فِعْلٌ، كَمَا لَا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ، قَالَ تبغورين رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّرْكُ مِنْ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ فَكُلُّ تَرْكٍ لَيْسَ فِيهِ فِعْلٌ ضِدُّهُ فَلَيْسَ بِفِعْلٍ وَلَا شَيْءَ مِثْلُ تَرْكِ أَنْ يَخْلُقَ هَذَا، وَكُلُّ تَرْكٍ فِيهِ فِعْلٌ ضِدُّهُ فَهُوَ شَيْءٌ وَفِعْلٌ مِثْلُ تَرْكِ اللَّهِ أَنْ يُمِيتَكَ أَيْ أَحْيَاكَ، وَتَرْكِ أَنْ يُفْقِرَكَ أَيْ أَغْنَاكَ ا هـ بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ وَإِيضَاحٍ.

قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ التُّرُوكُ غَيْرُ الْأَفْعَالِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ التُّرُوكِ أَفْعَالٌ وَغَيْرُ أَفْعَالٍ، وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ أَحَبُّ إلَيْنَا ا هـ، وَالْأَخِيرُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ تبغورين بْنُ عِيسَى وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ فَسَمَّى تَرْكَ الْكَاتِبِ الْكِتَابَةَ وَتَرْكَ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ فِعْلًا، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُضَارَّةَ الْكَاتِبِ، وَإِذَا ضَارَّ بِتَرْكِ الْكَتْبِ