شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٠

وَلَمْ يُبِحْهُ لِغَيْرِهِ. و هُوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبَ بِهِ إبْلِيسُ اللَّعْنَةَ

----------------------

فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟.

فَقَالَتْ: أَدْنَاهَا أَنَّكَ إنْ اشْتَرَيْتَنِي وَقَدَّمْتَنِي عَلَى جَمِيعِ عَبِيدِكَ لَمْ أَغْلَطْ فِي نَفْسِي وَعَلِمْتُ أَنِّي مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ ابْنَكَ اتَّخَذَ خَاتَمًا اشْتَرَى بِهِ فَصًّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ فَصًّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَبِعْهُ وَأَشْبِعْ بِهِ أَلْفَ جَائِعٍ، وَاِتَّخِذْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ صِينِيٍّ وَاكْتُبْ عَلَيْهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ.

وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْفَقِيرَ فِي خَلَقِهِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي جَدِيدِ غَيْرِهِ؛ وَقَدْ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَتَعَزَّزُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ

خَوَاصِّ عِبَادِهِ فَيَجْعَلُ عَيْشَ أَشْرَارِهِمْ بِتَكْبِيرِهِ أَكْثَرَ مِنْ عَيْشِ قُلُوبِهِمْ بِتَفَضُّلِهِ (وَلَمْ يُبِحْهُ لِغَيْرِهِ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ أَنْ يَعْتَقِدُوا الْعَظَمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَهِيَ الْكِبْرُ إذْ الْمَخْلُوقُ مُطْلَقًا فِيهِ نُقْصَانٌ وَإِنَّمَا خُلِقَ لِيَعْبُدَ الْعَظِيمَ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي﴾ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْكِبْرِيَاءِ فِي الْحَدِيثِ إظْهَارُ الْعَظَمَةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَظَمَةَ بَعْدَهَا قِسْمًا آخَرَ، وَمَعْنَى كَوْنِ ذَلِكَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ أَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنْ يَتَكَبَّرَ، وَالْكِبْرُ حَرْفٌ لَا يَتَغَيَّرُ أَبَدًا أَيْ وَجْهٌ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْحِلِّ أَبَدًا.

(و) الْكِبْرُ (هُوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبَ بِهِ إبْلِيسُ اللَّعْنَةَ) الطَّرْدَ عَنْ الْجَنَّةِ وَجِوَارِ الْمَلَائِكَةِ هَذَا مَشْهُورٌ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ أَوَّلَهُ الْعُجْبُ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى عِبَادَتِهِ فَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَتَرَفَّعَ عَنْ الْخُضُوعِ لِآدَمَ أَبِينَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَالْإِعْجَابُ بِنَفْسِهِ مُتَقَدِّمٌ لِمَا ثَبَتَ تَرَفُّعٌ عَلَى آدَمَ فَالْعُجْبُ سَبَبٌ لِلْكِبْرِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ الْكِبْرُ، وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّهُ اسْتَعْظَمَ نَفْسَهُ فَتَعَجَّبَ مِنْهَا فَادَّعُوا أَنَّ الْكِبْرَ مُتَقَدِّمٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْظَامَ تَعَجُّبٌ لِأَكْبَرَ بِمَعْنَى الْغَمْطِ وَالتَّسْفِيهِ، بَلْ كِبْرٌ بِمَعْنَى اعْتِقَادِ عَظَمَةٍ فَلَعَلَّ هَذَا