شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢١

إذْ هُوَ مِنَّا تَسْفِيهُ الْحَقِّ وَغَمْطُ الْخَلْقِ بِتَخْطِئَةِ الصَّوَابِ وَالْمُصِيبِ

--------------------------------

مُرَادُهُمْ بِالْكِبْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الذُّنُوبِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا الْعُجْبَ ذَنْبًا لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَإِنَّمَا الذَّنْبُ أَثَرُهُ وَهُوَ الْكِبْرُ، لَكِنَّ الْبَقَاءَ عَلَى الْعُجْبِ ذَنْبٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ الْحَسَدُ وَهُوَ حَسَدُ إبْلِيسَ لِآدَمَ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ الْحَسَدُ أَيْضًا وَهُوَ حَسَدُ قَابِيلَ هَابِيلَ، وَأَرَادَ بِالْحَسَدِ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ عَمَلٍ عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَلَا يُنَافِي تَقَدُّمَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِ، وَكُفْرُ إبْلِيسَ كُفْرُ شِرْكٍ بِنِسْبَةِ اللَّهِ إلَى الْجَوْرِ إذْ أَمَرَهُ أَنْ يَسْجُدَ وَهُوَ مِنْ نَارٍ لِآدَمَ وَهُوَ مِنْ طِينٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.

وَقَوْلَهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، فِي مَعْنَى النِّسْبَةِ إلَى الْجَوْرِ فَأَوَّلُ شِرْكٍ هُوَ هَذَا وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّ إبْلِيسَ أَوَّلُ الْجِنِّ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمْ قَبْلَهُ وَإِنَّهُ وُلِدَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرَتْ الْجِنُّ قَبْلَهُ وَأَشْرَكُوا فِي الْأَرْضِ (إذْ) سُفِّهَ الْحَقُّ وَهُوَ السُّجُودُ لِآدَمَ وَاحْتُقِرَ آدَم إذْ خُلِقَ مِنْ طِينٍ، وَالْكِبْرُ (هُوَ مِنَّا)

مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (تَسْفِيهُ الْحَقِّ) إذْ عَدَّهُ سَفَهًا وَجَهْلًا وَاسْتِعْجَالًا عَنْ الْعِلْمِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى التَّرَفُّعِ أَوْ قَصْدًا مَعَ الْعِلْمِ (وَغَمْطُ الْخَلْقِ) احْتِقَارُهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ بَعْدَهُ طَاءٌ مُشَالَةٌ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمِيمِ الْمُسَكَّنَةِ وَبِصَادٍّ غَيْرِ مُشَالَةٍ وَغَيْرِ مَنْقُوطَةٍ، وَمَعْنَاهُ احْتِقَارُ الْخَلْقِ أَيْضًا أَوْ عَيْبُهُمْ وَالتَّهَاوُنُ بِحَقِّهِمْ، وَيَجُوزُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ غَيْرِ الْمُشَالَةِ بِمَعْنَى الِازْدِرَاءِ بِهِمْ وَهُوَ الِاحْتِقَارُ وَالْأَوَّلَانِ مَشْهُورَانِ (بِتَخْطِئَةِ الصَّوَابِ وَالْمُصِيبِ) هَذِهِ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ تَصْوِيرٌ لِتَسْفِيهِ الْحَقِّ وَغَمْطِ الْخَلْقِ وَبَيَانٌ لَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَجْعَلُ الْحَقَّ وَهُوَ صَوَابٌ سَفَهًا وَخَطَأً وَيَجْعَلُ الْخَلْقَ الْمُصِيبَ لِلْحَقِّ