شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٣

...............................

------------------------------

أَنْ يَشْتَهِرَ بِالزُّهْدِ وَالْإِرْشَادِ وَكَثْرَةِ الْمَرِيدِينَ وَالْأَحْبَابِ، وَكَمَنْ يَمْشِي فَيَطْلُعُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَتْرُكُ الْعَجَلَةَ كَيْ لَا يُقَالَ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالسَّهْوِ لَا مِنْ أَهْلِ الْوَقَارِ، وَكَمَنْ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الْمُسِيئَةَ الْحَسَنَةَ فِي الْخَلْوَةِ حَتَّى إذَا رَآهُ النَّاسُ لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُخَالِفَ حَالَ الْخَلْوَةِ يَظُنُّ أَنَّهُ تَخَلَّصَ بِذَلِكَ مِنْ الرِّئَاءِ وَقَدْ تَضَاعَفَ بِهِ رِئَاؤُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْسِنُهَا فِي الْخَلْوَةِ لِيَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْمَلَأِ لَا لِحَيَاءٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَنْ يَسْبِقُ مِنْهُ ضَحِكٌ أَوْ مِزَاحٌ فَيَخَافُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ النَّاسُ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ فَيَتْبَعُ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَتَنَفُّسِ الصُّعَدَاءِ.

وَيَقُولُ: مَا أَعْظَمَ غَفْلَةَ الْآدَمِيِّ عَنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ لَمْ يَثْقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَمَنْ يَرَى قَوْمًا فِي عِبَادَةٍ فَيَدْخُلُهَا لِئَلَّا يُنْسَبُ إلَى الْكَسَلِ وَالْعَوَامِّ وَلَوْ خَلَا لَمْ يَفْعَلْهَا، كَمَنْ يَعْطَشُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ فَلَا يَشْرَبُ خَوْفًا مِنْ عِلْمِ النَّاسِ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ، وَإِنْ اضْطَرَّ ذَكَرَ لِنَفْسِهِ عُذْرًا تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا بِأَنْ يَتَعَلَّلَ بِمَرَضٍ اقْتَضَى فَرْطَ الْعَطَشِ أَوْ يَقُولَ: أَفْطَرْتُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ فُلَانٍ وَقَدْ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِشُرْبِهِ كَيْ لَا يُظَنُّ أَنَّهُ

يَعْتَذِرُ رِيَاءً بَلْ يَذْكُرُهُ فِي مَعْرِضِ حِكَايَةٍ بَعْدُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا مُحِبُّ الْإِخْوَانِ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَعَامِهِ وَقَدْ أَلَحَّ الْيَوْمَ عَلِيَّ وَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ تَطْيِيبِ قَلْبِهِ، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ أُمِّي ضَعِيفَةُ الْقَلْبِ مُشْفِقَةٌ عَلِيَّ تَظُنُّ أَنِّي لَوْ صُمْتُ يَوْمًا مَرِضْتُ فَلَا تَدَعُنِي أَنْ أَصُومَ، وَأَمَّا الْمُخْلِصُ فَلَا يَتْرُكُ لِمَخْلُوقٍ وَلَا يَفْعَلُ لَهُ.

وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَصْدُ الْجَاهِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى مَعْصِيَةٍ فَكَمَنْ يُرَائِي بِعِبَادَتِهِ لِيُعْرَفَ بِالْأَمَانَةِ فَيُوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْأَمْوَالَ كَالْأَوْقَافِ وَمَالِ الْأَيْتَامِ وَالْوَلَائِمِ فَيَجْحَدُ أَوْ يَخُونُ أَوْ يَسْتَنْفِعُ، كَمَنْ يُظْهِرُ التَّصَوُّفَ وَالْخُشُوعَ وَالْحِكْمَةَ لِيَتَحَبَّبَ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ غُلَامٍ لِلزِّنَى، وَكَمَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ لِمُلَاحَظَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَكَمَنْ يُظْهِرُ الشُّجَاعَةَ وَحُسْنَ السِّيَاسَةِ وَالضَّبْطِ لِيَصِلَ إلَى وِلَايَةٍ أَوْ وِصَايَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَيَتَمَكَّنُ