الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٨مَا لَمْ يَبْذُلْ بِقَصْدِ الثَّوَابِ حُبَّ الْحَمْدِ وَلَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ.
-------------------------------
(مَا لَمْ يَبْذُلْ بِقَصْدِ الثَّوَابِ حُبَّ الْحَمْدِ) حَمْدِ الْخَلْقِ لَهُ، أَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ فَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ أَخَذَ قَصْدَ الثَّوَابِ بَدَلَ حُبِّ الْمَحْمَدَةِ كَمَا تَقُولُ: بِعْتُ الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ، بَلْ أَرَادَ أَخْذَ حُبِّ الْمَحْمَدَةِ بَدَلَ قَصْدِ الثَّوَابِ كَالْآيَةِ، فَإِنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْعِوَضِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَالِاشْتِرَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ فَالْبَاءُ دَخَلَتْ عَلَى الْعِوَضِ (وَلَوْ خَطَرَ) التَّبْدِيلُ (بِبَالِهِ) وَحَقَّقَهُ وَتَبَيَّنَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الرُّخْصَةِ وَالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا حَقَّقَهُ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ كَانَ رِيَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَلَا يَكُونُ رِيَاءً عَلَى الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْطِرَ فِي قَلْبِهِ قَصْدُ الثَّوَابِ أَوْ يَخْطِرَ لَهُ
أَنَّ الرِّيَاءَ مُبْطِلٌ لَهُ أَوْ قَصَدَ الثَّوَابَ مِنْ قَبْلِ عُرُوضِ الرِّيَاءِ وَاسْتَصْحَبَهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَلْغَى الْمَيْلَ إلَى الثَّوَابِ وَمَالَ إلَى الرِّيَاءِ، وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الرِّئَاءِ بِالْعِبَادَةِ قِيلَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ طَاعَةً غَيْرَ فَرْضٍ كَجَلْبِ مَنْفَعَةِ الدُّنْيَا لِلْمُسْلِمِ بِعَمَلٍ غَيْرِ عِبَادَةٍ قِيلَ، وَالْمُرَائِي إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِعَمَلِهِ النَّاسَ أَوْ النَّاسَ وَرَبَّهُمْ، وَفِي أَثَرٍ: إنَّ هُنَاكَ صُوَرًا تَتَرَدَّدُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْحِيلَةِ يَدْخُلُ فِيهَا تَلْبِيسُ إبْلِيسَ فَنَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ فِي دَفْعِهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الْجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْمُحَارَبَةِ فَنَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّهِ أَوَّلًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَلْبٌ سُلِّطَ عَلَيْنَا فَعَلَيْنَا الرُّجُوعُ إلَى رَبِّنَا لِيَصْرِفَهُ عَنَّا، ثُمَّ نَسْتَخِفُّ بِدَعْوَتِهِ وَنَنْفِيهَا كُلَّمَا وَرَدَتْ، وَلَا نَشْتَغِلُ بِالْمُحَارَبَةِ وَالْجَوَابِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ النَّابِحِ كُلَّمَا أَقْبَلْتَ عَلَيْهِ وَلِعَ بِكَ وَلَجَّ.
وَإِنْ أَعْرَضْتَ سَكَتَ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ بَلْ