شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٤٩

..........................

--------------------------------

تَغَلَّبَ عَلَيْنَا عَلِمْنَا أَنَّهُ ابْتِلَاءٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِيَرَى صِدْقَ مُجَاهَدَتِنَا وَقُوَّتِنَا، كَمَا أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْنَا الْكُفَّارَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ أَمْرِهِمْ وَشَرِّهِمْ لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ مِنْ الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ وَأَيْضًا قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْنَا خَاطِرٌ لَا نَدْرِي أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْنَا الْمُحَارَبَةُ وَالْقَهْرُ وَالدَّوَامُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَمَعْرِفَةُ وَسَاوِسِهِ وَمَكَائِدِهِ، فَلَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ مَعْرِفَةِ مَنْشَأِ الْخَوَاطِرِ وَتَمْيِيزِ

خَيْرِهَا مِنْ شَرِّهَا فَهِيَ آثَارٌ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْعَبْدِ تَبْعَثُهُ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إمَّا ابْتِدَاءً فَيُقَالُ لَهُ: الْخَاطِرُ فَقَطْ، وَعَلَامَتُهُ كَوْنُهُ قَوِيًّا مُصَمِّمًا وَفِي الْأُصُولِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَأَنْ يَكُونَ خَيْرًا عَقِبَ اجْتِهَادٍ وَطَاعَةٍ إكْرَاهًا فَيُسَمَّى هِدَايَةً وَتَوْفِيقًا وَلُطْفًا وَعِنَايَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ - ﴿وَاَلَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وَشَرًّا عَقِبَ ذَنْبٍ إهَانَةً وَعُقُوبَةً فَيُسَمَّى خِذْلَانًا وَإِضْلَالًا وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ابْنِ آدَمَ جَاثِمٍ عَلَى أُذُنِ قَلْبِهِ الْيُمْنَى يُقَالُ لَهُ: الْمُلْهِمُ وَلِدَعْوَتِهِ الْإِلْهَامُ وَلَا تَكُونُ إلَّا إلَى خَيْرٍ، وَعَلَامَتُهُ كَوْنُهُ مُتَرَدِّدًا.

وَفِي الْفُرُوعِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَبِلَا سَبْقِ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فِي الْأَغْلَبِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ طَبِيعَةٍ مَائِلَةٍ إلَى الشَّهَوَاتِ يُقَالُ لَهَا: النَّفْسُ وَلِدَعْوَتِهَا هَوًى، وَلَا تَكُونُ إلَّا إلَى شَرٍّ، وَعَلَامَتُهُ كَوْنُهُ مُصَمِّمًا رَاتِبًا عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنْ لَا يَضْعُفَ وَلَا يَقِلَّ بِذِكْرِ اللَّهِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ شَيْطَانٍ مُسَلَّطٍ عَلَى ابْنِ آدَمَ جَاثِمٍ عَلَى أُذُنِ قَلْبِهِ الْيُسْرَى يُقَالُ لَهُ: الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ، وَلِدَعْوَتِهِ الْوَسْوَسَةُ، وَعَلَامَتُهُ كَوْنُهُ مُتَرَدِّدًا وَمُضْطَرِبًا وَبِلَا سَبْقِ ذَنْبٍ فِي الْأَكْثَرِ وَأَنْ يَقِلَّ وَيَضْعُفَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَكُونُ شَرًّا فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَكُونُ مَفْضُولًا