الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥١..................................
------------------------------
مَعَ التَّمَامِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِهِ مَعَ النُّقْصَانِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ مَعَ الْمُرَاءَاةِ فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ: النَّاسُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَلَا نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ أَفَلَا يَكْفِينِي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى الضَّارِّ النَّافِعِ، ثُمَّ يُوقِعُهُ فِي الْعُجْبِ فَيَقُولُ: مَا أَيْقَظَكَ وَأَعْقَلَكَ تَنَبَّهْتَ لِمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ غَيْرُكَ، فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ: الْمِنَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ دُونِي فَهُوَ الَّذِي خَصَّنِي بِتَوْفِيقِهِ وَجَعَلَ لِعَمَلِي قِيمَةً عَظِيمَةً بِفَضْلِهِ، وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَمَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فِي جَنْبِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَنْبِ مَعْصِيَتِي لَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اجْتَهِدْ أَنْتَ فِي السِّرِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُظْهِرُهُ وَيَجْعَلُكَ شَرِيفًا خَطِيرًا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ.
فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ: إنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ سَيِّدِي إنْ شَاءَ أَظْهَرَ وَإِنْ شَاءَ أَخْفَى، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَنِي خَطِيرًا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَنِي حَقِيرًا، وَذَلِكَ إلَيْهِ وَلَا أُبَالِي إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ أَوْ لَمْ يُظْهِرْهُ فَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يَقُولُ آخَرُ: لَا حَاجَةَ لَكَ إلَى هَذَا
الْعَمَلِ لِأَنَّكَ إنْ خُلِقْتَ سَعِيدًا لَمْ يَضُرّكَ تَرْكُ الْعَمَلِ، وَإِنْ خُلِقْتَ شَقِيًّا لَمْ يَنْفَعْكَ الْعَمَلُ، فَفِيمَ تَجْتَهِدُ وَتَتْرُكُ رَاحَتَكَ وَتَضُرُّ نَفْسَكَ؟ فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ فَقَالَ: إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ وَعَلَى الْعَبْدِ امْتِثَالُ أَمْرِ سَيِّدِهِ، وَالرَّبُّ أَعْلَمُ بِرُبُوبِيَّتِهِ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، وَإِنِّي يَنْفَعُنِي الْعَمَلُ كَيْفَمَا كُنْتُ، إنْ كُنْتُ سَعِيدًا احْتَجْتُ إلَيْهِ لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، وَإِنْ كُنْتُ شَقِيًّا احْتَجْتُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ عَلِيَّ، وَلَا يُعَاقِبُنِي عَلَى الطَّاعَةِ بَلْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِنْ أَدْخُلُ النَّارَ وَقَدْ عَمِلْتُ بِالطَّاعَةِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَدْخُلَهَا غَيْرَ عَامِلٍ بِهَا، عَلَى أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَقَدْ وَعَدَ الْجَنَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ.
وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ تَعَالَى بِرَبْطِ الْأَشْيَاءِ بِأَسْبَابٍ ظَاهِرَةٍ دُنْيَا وَأُخْرَى، كَالْغَيْثِ لِلنَّبَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا