الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٥٢..........................
---------------------------
وَعْدَهُ} فَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْوَسْوَسَةُ قَالَ: إنَّ الْأَعْمَالَ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ فَلَا أَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَةِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قُدِّرَتْ لَنَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَاتُ صَلُحَتْ وَلَا بُدَّ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ لَكِنْ لِلْفَاعِلِ اخْتِيَارٌ وَكَسْبٌ وَاَللَّهُ عَالَمٌ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ بِهَا وَكَتْبُهُ إيَّاهَا جَبْرًا، فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيتُ مَعَ قَوْمٍ فَيَقُومُونَ لِلتَّهَجُّدِ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَقُومُ أَصْلًا أَوْ يَقُوم قَلِيلًا مِنْ قِيَامِهِمْ، فَإِذَا رَآهُمْ انْبَعَثَ نَشَاطُهُ لِلْمُوَافَقَةِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى مُعْتَادِهِ، وَكَذَا الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ، فَرُبَّمَا يَكُنْ أَنَّ ذَلِكَ رِيَاءٌ فَيَتْرُكُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ نَشَاطُهُ لِزَوَالِ الْغَفْلَةِ بِمُشَاهَدَةِ إقْبَالِهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ بِانْدِفَاعِ الْمَانِعِ وَعَدَمِهِ كَعَدَمِ الْفِرَاشِ الْوَطِيء وَعَدَمِ حُضُورِ الزَّوْجَةِ أَوْ السُّرِّيَّةِ الْمُلْهِيَةِ لَهُ بِالتَّمَتُّعِ أَوْ التَّحَدُّثِ أَوْ عَدَمِ الْأَشْغَالِ أَوْ الْأَطْعِمَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَرْكِ الصَّوْمِ فَلَا رِيَاءَ فِي ذَلِكَ، وَلْيُلْغِ قَوْلَ الشَّيْطَانِ لَا تَعْمَلْ مَا لَا تَعْمَلُ فِي بَيْتِكَ، وَإِنْ كَانَ نَشَاطُهُ طَلَبًا لِحَمْدِهِمْ أَوْ خَوْفًا مِنْ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى كَوْنِهِ بِخِلَافِ مَا يَظُنُّونَهُ فِيهِ أَوْ مِنْ ذَمِّهِمْ إيَّاهُ بِالْكَسَلِ فَذَلِكَ رِيَاءٌ فَلْيَعْبُدْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِإِخْلَاصٍ وَلَا يَعْمَلُ لِمَخْلُوقٍ وَلَا يَتْرُكُ لَهُ، وَلْيَنْظُرْ هَلْ يَعْبُدُ كَذَلِكَ لَوْ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ، وَإِنْ ثَقُلَ فَرِيَاءٌ، فَهَكَذَا الِاسْتِغْفَارُ وَالِاسْتِعَاذَةُ، وَقَدْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْحَيَاءِ كَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ صَدِيقُهُ قَرْضًا وَاسْتَحْيَا مِنْ رَدِّهِ وَلَا يَسْخُو بِإِقْرَاضِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ لَا يَسْتَحْيِ وَلَا يُقْرِضُ وَلَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ فَلَهُ أَنْ يُشَافِهَ عِنْدَ ذَلِكَ بِالرَّدِّ فَيُنْسَبُ إلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ أَوْ يَتَعَلَّلُ بِكَذِبٍ وَتَعْرِيضٍ فَيَأْثَمُ أَوْ يُسِيءُ، إلَّا أَنْ تُوجَدَ حَاجَةٌ إلَى التَّعْرِيضِ فَيُبَاحُ، أَوْ يُعْطِي لِمُجَرَّدِ الْحَيَاءِ أَوْ لِهَيَجَانِ خَاطِرِ الرِّيَاءِ لِيُثْنِيَ عَلَيْكَ، أَوْ لِئَلَّا