شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٥٥

وَحُبُّ الْحَمْدِ يَكُونُ ذَنْبًا وَغَيْرُهُ طَاعَةً

--------------------------

عَمِلْتَ لَهُ يُبْغِضُكَ وَيَسْتَخِفُّ بِكَ وَيَسْتَهْلِكُكَ وَتَنْفِرُ عَنْكَ النُّفُوسُ وَيُسَلِّطُهُمْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَإِنْ عَمِلْتَ لِلَّهِ حَبَّبَكَ اللَّهُ إلَيْهِمْ} وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لَأَعْبُدُ اللَّهَ عِبَادَةً أُذْكَرُ بِهَا وَكَانَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ أَوَّلَ دَاخِلٍ الْمَسْجِدَ وَآخِرَ خَارِجٍ، لَا يُرَى حِينَ الصَّلَاةِ إلَّا مُصَلِّيًا وَيَجْلِسُ إلَى حِلَقِ الذِّكْرِ وَيَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ، وَلَا يَمُرُّ عَلَى قَوْمٍ إلَّا قَالُوا: فَعَلَ اللَّهُ بِهَذَا الْمُرَائِي وَصَنَعَ، وَهَذَا سَبْعَةُ أَشْهُرٍ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِكَ وَقَالَ إنِّي فِي غَيْرِ شَيْءٍ لَأَجْعَلَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ لِلَّهِ، وَلَمْ يَزِدْ عَمَلًا عَلَى عَمَلِهِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ أَخْلَصَ فِي قَلْبِهِ فَكَانَ يَمُرُّ بِالنَّاسِ فَيَقُولُونَ: رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا، الْآنَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى الْخَيْرِ، ثُمَّ قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، وَقَالَ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.

(وَحُبُّ الْحَمْدِ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمَدْحَ وَهُوَ أَعْنِي حُبَّ الْحَمْدِ مَحَبَّةَ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِالْأَلْسِنَةِ بِخِلَافِ الرِّئَاءِ فَإِنَّهُ جَلْبُ الْقَبُولِ فِي الْقُلُوبِ (يَكُونُ ذَنْبًا) وَهُوَ حُبُّ حَمْدِ الْخَلْقِ لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَوْ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ، وَحُبُّ الْحَمْدِ عَلَى مَا فَعَلَ بِطَرِيقِ الرِّئَاءِ (وَغَيْرُهُ) وَهُوَ الْمُبَاحُ مِثْلُ أَنْ يُحِبَّ الْحَمْدَ لَهُ عَلَى صَنْعَتِهِ لَتُنْفَقَ عَنْهُ لَا بِفَخْرٍ أَوْ رِئَاءٍ وَيَكُونُ حُبُّ الْحَمْدِ (طَاعَةً) غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَأَرَادَ بِالطَّاعَةِ الْعِبَادَةَ، مِثْلُ أَنْ يُحِبَّ الْحَمْدَ عَلَى طَاعَتِهِ لَا لَحَظِّ نَفْسِهِ بَلْ لِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالْفَرَحِ بِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَشْرَفُوا أَمْرَ الدِّينِ إنْ خَلَا مِنْ الرِّئَاءِ الْخَفِيِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبِ الِاسْتِشْعَارِ إذْ لَا ضَيْرَ عَلَى مَنْ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ كَحُبِّ الْحَمْدِ عَلَى صَنْعَتِهِ لَتُنْفَقَ فَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ