الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٧٠وَتَمَنِّي الْمَعْصِيَةِ كَبِيرٌ و صَغِيرٌ
------------------------------
وَإِقْرَارِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اللَّهُمَّ أَيِّدْ الْإِسْلَامَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ﴾ وَأَجَازَ الْمُخَالِفُونَ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِغَيْرِ الْمُتَوَلَّى وَحُبَّهَا لَهُمْ لِقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَلِأَنَّ ذَلِكَ إظْهَارٌ لِلْإِسْلَامِ وَشُهْرَةٌ لَهُ وَتَكْثِيرٌ لَهُ، فَالدُّعَاءُ بِهِ وَحُبُّهُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِهِمْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالْوَفَاءِ وَنَهْيِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ الشِّرْكِ، وَبِمَنْزِلَةِ قِتَالِهِمْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْقِتَالَ وَحُبَّ الْإِسْلَامِ وَإِعْزَازَهُ وَإِظْهَارَهُ وَتَكْثِيرَهُ أُمُورٌ وَاجِبَةٌ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَحُبُّهَا لَهُمْ يُنَافِيَانِ الْبُغْضَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لَهُمْ و بَرَاءَتَهُمْ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا إلَّا مَا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ كَالتَّوْحِيدِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بَقَائِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ مِمَّا هُوَ شَرْعٌ لِمَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا، وَقِيلَ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا ثَبَتَ
نَسْخُهُ، وَقِيلَ: لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا إلَّا مَا ثَبَتَ بَقَاؤُهُ، وَقِيلَ: شَرِيعَةُ مُوسَى شَرْعٌ لَنَا إلَّا مَا نَسَخَتْهُ شَرِيعَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: شَرِيعَةُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَرْعٌ لَنَا فِي الْحَجِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا كَانَ فِي شَرْعِنَا فَقَدْ كَانَ فِي شَرْعِ إبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ بِلَا فَرْقٍ وَلَا مُخَالِفَةٍ فِي شَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾، وَقِيلَ: شَرِيعَةُ عِيسَى شَرْعٌ لَنَا، وَقِيلَ شَرِيعَةُ نُوحٍ شَرْعٌ لَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أَيْ عَلَى دِينِ نُوحٍ، وَقِيلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ.
(وَتَمَنِّي الْمَعْصِيَةِ) لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ذَنْبٌ (كَبِيرٌ) إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تُعْمَلُ بِالْقَلْبِ كَبُغْضِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَهْلِهِ فَتَمَنِّي ذَلِكَ كُفْرٌ لِأَنَّ تَمَنِّي الشَّيْءِ مِمَّا يُوقَعُ بِالْقَلْبِ إيقَاعٌ لَهُ وَطَلَبٌ لِلزِّيَادَةِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: (و) ذَنْبٌ (صَغِيرٌ) إنْ