شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٧٢

وَعَفَا اللَّهُ عَنْهَا مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلُهُ.

--------------------------

يَتَضَاعَفُ الْوِزْرُ حَيْثُ يَتَضَاعَفُ الثَّوَابُ كَمَكَّةَ وَرَمَضَانَ، قَالَ قَتَادَةَ: الظُّلْمُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ وِزْرًا وَخَطِيئَةً، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ: ﴿إنَّ الْمَعْصِيَةَ تُضَاعَفُ فِي رَمَضَانَ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تُضَاعَفُ السَّيِّئَةُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الْخَطِيئَةَ بِهَا بِمِائَةِ خَطِيئَةٍ فِي غَيْرِهَا، وَيُنَاسِبُ مَا قَالَ قَتَادَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وَمَعْنَى زِيَادَةِ السَّيِّئَاتِ مَزِيدُ الْعِقَابِ عَلَيْهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ فَتَعْظُمُ السَّيِّئَةُ لِشَرَفِ فَاعِلِهَا وَقُوَّةِ مَعْرِفَتِهَا بِاَللَّهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ، فَإِنَّ مَنْ عَصَى السُّلْطَانَ عَلَى بِسَاطِهِ أَعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ عَصَاهُ عَلَى بُعْدٍ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي سِيرَةِ الدِّمَاءِ أَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَنْ يَقْطُرُ سَيْفُهُ بِالدَّمِ لِمَيْلِ قَلْبِهِ إلَى أَهْلِ الْفِتْنَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ كَمَا يَأْتِي، وَيَأْتِي كَلَامٌ فِي فَصْلِ الرُّكُونِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَحَدِيثُ: ﴿نِيَّةُ الْفَاجِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ﴾ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْهَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ (وَعَفَا اللَّهُ عَنْهَا مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ) إنْ كَانَ مِمَّا يُتَكَلَّمُ

بِهِ (أَوْ تَعْمَلُهُ) بِغَيْرِ النُّطْقِ، وَمَنْ قَبْلَنَا يُؤْخَذُ بِالْهَمِّ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْهَمِّ بِالْعِبَادَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ الرَّبَّانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجَلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ