شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٠٩

...........................

-----------------------------

أَخَذَ الْمَدَّاحُونَ فِي الْمَدْحِ فَخَيِّلُوا أَنَّ التُّرَابَ يُصَبُّ عَلَيْكُمْ فِي قُبُورِكُمْ بِحَضْرَةِ الْمَدَّاحِينَ وَاسْتَشْعِرُوا جَوَابَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَلَّقَ بَالَهُ بِذَلِكَ حَالَ الْمَدْحِ فَقَدْ جَعَلَ التُّرَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَادِحِهِ، وَذَلِكَ لِيَخْشَعَ فَلَا يُعْجِبُهُ الْمَدْحَ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوهِ الْحَضْرَةُ، وَذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الطَّحَاوِيَّ وَذَكَرَ أَهْلُ بَطْلَيُوسَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الشَّاعِرِ مَدَحَ رَئِيسًا وَأَدْرَجَ مَعَهُ الْقَاضِيَ فِي الْمَدْحِ فَجَمَعَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَهْلَ الْفِقْهِ عِنْدَهُمْ وَشَاوَرَهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَحْثِي فِي وَجْهِهِ رِطْلًا مِنْ التُّرَابِ فَفَعَلَ، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بَلْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنْ يَرْفَعَ التُّرَابَ بِيَدِهِ وَيَصُبَّهُ فِي الْأَرْضِ فِي وُجُوهِهِمْ أَيْ فِي حَضْرَتِهِمْ لِيُنَبِّهَهُمْ وَيُنَبِّهَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ تُرَابٍ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَيَفْعَلَ وَيُعْطِيَهُمْ أَوْ يَرُدَّهُمْ بِجَمِيلٍ فَإِنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ السَّائِلِينَ.

وَقَدْ أَعْطَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَرْمِهِمْ بِتُرَابٍ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَادِحَ يُحِبُّ الْمَالَ وَأَنَّهُ لَا يَمْلَأُ

جَوْفَ بَنِي آدَمَ إلَّا التُّرَابُ، وَالْمَدْحُ بِالْحَقِّ قِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضٌ أَنْ صَبَّ التُّرَابِ بِظَاهِرِهِ لَكِنْ فِي الْمَدْحِ بِالْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ، وَقَالَ الْجَاحِظُ: الْحَدِيثُ فِي مَدْحِ الْبَائِعِ سِلْعَتَهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى تَفْسِيرِ اُحْثُوا التُّرَابَ، وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لِرَجُلٍ سَمِعَهُ يَمْدَحُ رَجُلًا: لَوْ سَمِعَهَا مِنْكَ مَا أَفْلَحَ﴾ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ مُرْسَلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ذَبْحُ الرَّجُلِ أَنْ تُزَكِّيَهُ فِي وَجْهِهِ﴾ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿اُحْثُوا فِي أَفْوَاهِ الْمَادِحِينَ التُّرَابَ﴾ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ