شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٢٨

...............................

-------------------------

إلَيْهَا: مَنْ خَدَمَنِي فَاخْدِمِيهِ وَمَنْ خَدَمَكَ فَاتَّبِعِيهِ وَهِيَ مِثْلُ ظِلِّكَ إنْ هَرَبْتَ تَبِعَكَ وَإِنْ طَلَبْتَهُ تَبَاعَدَ عَنْكَ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هِمَّتُهُ فَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هِمَّتُهُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَثَلُ صَاحِبِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي عَلَى الْمَاءِ هَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَاشِي عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَلَّ قَدَمَاهُ؟﴾ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَخُوضُ فِي الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا وَقَلْبُهُ مُعْرِضٌ عَنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بَلْ لَا مَحَالَةَ إنَّ مُلَابَسَةَ الدُّنْيَا تَقْتَضِي عَلَاقَةً وَظُلْمًا فِي قَلْبِهِ لِمَنْعِ حَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ كَمَا يَنْظُرُ الْمَرِيضُ إلَى طَعَامِهِ وَلَا يَسْتَلِذُّهُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْتَلِذُّ الْعِبَادَةَ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا.

وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ تُمْتَهَنْ وَتُرْكَبْ تَصَعَّبَتْ وَتَغَيَّرَ خُلُقُهَا، كَذَلِكَ الْقُلُوبُ إذَا لَمْ تُرَقَّقْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَتَتْعَبْ بِالْعِبَادَةِ تَقْسُو وَتَغْلُظُ، وَبِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إنَّ الزِّقَاقَ مَا لَمْ تَنْخَرِقْ يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ وِعَاءً لِلْعَسَلِ كَذَلِكَ الْقُلُوبُ مَا لَمْ تَخْرِقْهَا الشَّهْوَةُ أَوْ يُدَنِّسْهَا الطَّمَعُ أَوْ يُقْسِيهَا النَّعِيمُ يُوشِكُ أَنْ تَكُونَ أَوْعِيَةً لِلْحِكْمَةِ، {وَضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ مِثْلًا لِلدُّنْيَا كَمِثْلِ الرَّجُلِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخِلَّاءٍ وَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِأَحَدِهِمْ: قَدْ كُنْتَ لِي خِلًّا مُؤْثَرًا مُكْرَمًا وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ اللَّهِ مَا تَرَى فَمَاذَا عِنْدَكَ؟ فَيَقُولُ: لَا طَاقَةَ لِي بِأَمْرِ اللَّهِ أَنْ أُنْقِصَ مِنْهُ أَوْ أَكْشِفَ كَرْبَكَ وَلَكِنْ هَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَخُذْ مِنِّي زَادًا يَنْفَعُكَ، ثُمَّ يَقُولُ لِلثَّانِي: كُنْتَ عِنْدِي أَبَرَّ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ نَزَلَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى: فَيَقُولُ: هَذَا أَمْرُ اللَّهِ غَلَبَنِي عَلَيْكَ لَا أَقْدِرُ أَنْ أُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئًا لَكِنْ سَأَقُومُ عَلَيْكَ فِي مَرَضِكَ فَإِذَا مِتَّ أَتْقَنْتُ غُسْلَكَ وَسَتَرْتُ