شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٣٠

..................................

--------------------------------

الْخَيْرَاتُ عَنْكَ مَصْرُوفَةً، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الدُّنْيَا وَإِنْ بَقِيَتْ لَكَ لَمْ تَبْقَ لَهَا.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الدُّنْيَا مَوْقُوفَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَالسِّقَاءِ الْبَالِي تُنَادِي رَبَّهَا مُنْذُ خَلَقَهَا إلَى يَوْمِ يُفْنِيهَا: يَا رَبِّ لِمَ تُبْغِضُنِي، فَيَقُولُ لَهَا: اُسْكُتِي يَا لَا شَيْءَ، اُسْكُتِي يَا لَا شَيْءَ.

وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ إذَا كَانَتْ الْآخِرَةُ فِي الْقَلْبِ جَاءَتْ الدُّنْيَا تُزَاحِمُهَا، وَإِذَا كَانَتْ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ لَمْ تُزَاحِمْهَا الْآخِرَةُ لِأَنَّ الْآخِرَةَ كَرِيمَةٌ وَالدُّنْيَا لَئِيمَةٌ، يَعْنِي أَنَّ الدُّنْيَا إذَا تَمَكَّنَتْ مِنْ الْقَلْبِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا أَمْرُ الْآخِرَةِ.

وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا نَقَصَتْ الدُّنْيَا فَمَا زَالَتْ تَنْقُصُ حَتَّى تَتَمَكَّنَ الْآخِرَةُ فَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ بَعْضِ السَّلَفِ: الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ تَجْتَمِعَانِ فِي الْقَلْبِ فَأَيُّهُمَا غَلَبَتْ كَانَ الْآخَرُ تَبَعًا لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِ الدَّارَانِيِّ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وَدَارَانُ مَوْضِعٌ بِالْأَنْدَلُسِ وَعَنْ مَالِكٍ: بِقَدْرِ مَا تَحْزَنُ لِلدُّنْيَا يَخْرُجُ هَمُّ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِكَ، وَبِقَدْرِ مَا تَحْزَنُ لِلْآخِرَةِ يَخْرُجُ هَمُّ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِكَ، وَعَنْ الْحَسَنِ: الدُّنْيَا مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهَا يَرْتَحِلُ إلَى رَبِّهِ فَأَصْلِحُوا مَطَايَاكُمْ

تَبْلُغُوا، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿نِعْمَتْ الْمَطِيَّةُ الدُّنْيَا فَارْتَحِلُوهَا تُبَلِّغُكُمْ الْآخِرَةَ﴾.

وَذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْدَ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ: الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا.

وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَا تَسُبُّوا الدُّنْيَا فَنِعْمَتْ مَطِيَّةُ الْمُؤْمِنِ عَلَيْهَا يَبْلُغُ الْخَيْرَ وَبِهَا يَنْجُو مِنْ الشَّرِّ﴾ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَعَنَ اللَّهُ الدُّنْيَا قَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ، وَيُنْشَدُ لِمَحْمُودٍ الْوَرَّاقِ: لَا تُتْبِعْ الدُّنْيَا وَأَيَّامَهَا ذَمًّا وَإِنْ دَارَتْ بِكَ الدَّائِرَةُ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا وَمِنْ فَضْلِهَا أَنَّ بِهَا تُسْتَدْرَكُ الْآخِرَةُ