شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٥٣

وَشُدِّدَ.

--------------------------

أُخْرَوِيٍّ عَلَى إحْسَانٍ إلَيْهِ فَقَدْ وَالَاهُ بِلَا مُوجِبٍ فَيَكْفُرُ، وَمَحِلُّ التَّرْخِيصِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الِاسْتِرْسَالُ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَعَدَمُ اسْتِشْعَارِ كَرَاهَتِهِمَا، إمَّا أَنْ يُحِبَّهُ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا يَجُوزُ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ لَكَ بِالزُّورِ أَوْ يَحْكُمَ لَكَ بِالْجَوْرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحِبَّهُ لِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْحَقُّ لَكَ، مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ لَكَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ وَلَا بِمَا يَثْبُتُ لَكَ بِهِ الْحَقُّ فَوَافَقَ أَنَّ الْحَقَّ لَك (وَشُدِّدَ) فِي ذَلِكَ أَيْ وَمُنِعَ فَنَائِبُ شُدِّدَ مُسْتَتِرٌ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى مُنِعَ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّائِبَ كَالْفَاعِلِ لَا يُحْذَفُ إلَّا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، أَوْ لِلضَّرُورَةِ، وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مَعًا لَا يَسْتَتِرَانِ، وَالْمَجْرُورُ وَحْدَهُ لَا

يَسْتَتِرُ لِأَنَّ شُدِّدَ لَازِمٌ وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ فَيَسْتَتِرُ وَالضَّمِيرُ أَوْلَى، وَالْمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ شَدَّدَ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ الْمَذْكُورَيْنِ بِاسْتِرْسَالٍ فِيهِمَا وَإِبْقَاءٍ لَهُمَا وَعَدَمِ اسْتِشْعَارِ كَرَاهَتِهِمَا وَأَوْجَبَ أَنْ لَا يُحِبَّ الْكَافِرَ عَلَى إحْسَانٍ وَلَا يَبْغُضَ الْمُسْلِمَ عَلَى إسَاءَةٍ جَائِزَةٍ إلَّا مَا يَكُونُ طَبْعًا مِنْ بُغْضِ الْمُسِيءِ إلَيْكَ وَحُبِّ الْمُحْسِنِ إلَيْكَ، فَإِنَّ هَذَا ضَرُورِيٌّ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿جُبِلَتْ هَذِهِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهَا﴾، أَيْ خُلِقَتْ كَذَلِكَ تُحِبُّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَتَبْغُضُ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهَا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِكَافِرٍ عِنْدِي يَدًا بَيْضَاءَ أُحِبُّهُ عَلَيْهَا وَلَا تَجْعَلْ لِمُؤْمِنٍ عِنْدِي يَدًا سَوْدَاءَ أَبْغَضُهُ عَلَيْهَا﴾، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَغَوَائِلُ الْحَسَدِ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ: إفْسَادُ الطَّاعَاتِ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ وَيَحْلِقُ الدِّينَ