شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٦٧

وَلَا تُنْسَبُ الْقَسَاوَةُ لِمُؤْمِنٍ

---------------------

(وَلَا تُنْسَبُ الْقَسَاوَةُ لِمُؤْمِنٍ) وَلَا لِمَوْقُوفٍ فِيهِ إلَّا بِتَقْيِيدٍ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: قَاسٍ فِي الْحَقِّ أَوْ فِي الْمُبَاحِ وَهَكَذَا يَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ لَا يُطْلَقَ لَهُمَا لَفْظٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا فِي الْمَعْصِيَةِ أَوْ غَلَبَ فِيهَا اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي اللُّغَةِ إلَّا بِتَقْيِيدٍ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ فَاسِقٌ مِنْ السُّوقِ أَيْ خَارِجٌ عَنْهُ أَوْ حَامٍ فِي الْحَقِّ أَوْ فِي الْمُبَاحِ أَوْ مُتَعَصِّبٌ أَوْ مُتَكَبِّرٌ عَلَى الْمُتَجَبِّرِ أَوْ كَافِرٌ لِسِلَاحِهِ أَيْ سَاتِرٌ لَهُ وَمُصِرٌّ عَلَى الْحَقِّ أَوْ الْمُبَاحِ أَيْ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ أَوْ مُصِرٌّ عَلَى الْحَقِّ وَالْقَسَاوَةُ كُفْرُ شِرْكٍ وَكُفْرُ نِفَاقٍ، وَهِيَ إقْدَامُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْلِ كَبِيرَةِ الشِّرْكِ أَوْ كَبِيرَةِ النِّفَاقِ، فَتَارِكُ الصَّلَاةِ قَاسٍ، وَتَارِكُ الزَّكَاةِ قَاسٍ، وَتَارِكُ الصَّوْمِ بِلَا عُذْرٍ قَاسٍ، وَالْمُرْبِي قَاسٍ، وَالزَّانِي قَاسٍ، وَالْمُشْرِكُ قَاسٍ بِإِشْرَاكِهِ وَالْقَتْلُ أَوْ الضَّرْبُ أَوْ الْإِجَاعَةُ أَوْ الْإِيلَامُ بِوَجْهٍ مَا، كَمَا لَا يَحِلُّ قَسَاوَةٌ أَعْنِي أَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ قَسَاوَةِ الْقَلْبِ فَلَا تَخْتَصُّ الْقَسَاوَةُ بِنَحْوِ الْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْإِيلَامِ، بَلْ تَكُونُ فِي كُلِّ كَبِيرَةٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وَقَالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَالْقَسَاوَةُ وَالْقَسْوَةُ لُغَةً شِدَّةُ الشَّيْءِ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ غَيْرُهُ فَقَلْبُ الْفَاسِقِ وَالْمُشْرِكِ قَاسٍ بِمَعْنَى

أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الذِّكْرُ وَالْوَعْظُ حَتَّى إنَّهُ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَيَتْرُكُ الْمَفْرُوضَ مُطْلَقًا إذْ الْمَفْرُوضُ كُلُّهُ تَرْكُهُ كُفْرٌ وَأَشَارَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَفْرُوضِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهِ لَا يُسَمَّى قَسَاوَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُطْلَقًا قَسَاوَةٌ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ اسْمُهَا فِي الْكَافِرِينَ خُصَّتْ التَّسْمِيَةُ بِهَا بِالْكَبِيرَةِ، وَشِدَّةُ الْقَلْبِ فِي الْمُبَاحِ وَالْعِبَادَةِ لَا تُسَمَّى قَسَاوَةً أَوْ قَسْوَةً إلَّا بِتَقْيِيدٍ كَذَبْحِ الشَّاةِ الْحَلَالِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْحَلَالِ