الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢١٥...............................
-----------------------------
كَانَتْ رَغْبَةً، وَالشَّهْوَةُ صِفَةٌ بَهِيمِيَّةٌ وَمِنْهَا يَنْبَعِثُ الشَّرَهُ وَالتَّكَالُبُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْحِرْصُ عَلَى قَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَمِنْهُ يَثُورُ الْمُنْكَرُ وَالْفَحْشَاءُ مِنْ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَارْتِكَابِ الْإِثْمِ فِي جَمْعِ الْحُطَامِ لِأَجْلِ الشَّهَوَاتِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ إيمَانِ الْمَرْءِ قَدْرُ مَا يَتْبَعُ مَا يَشْتَهِيهِ أَوْ يَرْغَبُ فِيهِ مِنْ الْمُبَاحِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خِدْمَةِ النَّفْسِ، وَخِدْمَتُهَا إعْرَاضٌ عَنْ خِدْمَةِ الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ، رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ حَذِّرْ وَأَنْذِرْ أَصْحَابَكَ أَكْلَ الشَّهَوَاتِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ الْمُعَلَّقَةَ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عُقُولُهَا عَنِّي مَحْجُوبَةٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ الرَّبَّانِيُّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ، وَحُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِحَلَبِ وَاشْتَهَيْتُ شُبْعَةً مِنْ الْخُبْزِ وَالْعَدَسِ فَاتَّفَقَ ذَلِكَ فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ، فَرَأَيْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ قَوَارِيرَ مُعَلَّقَةً شَبَهَ بِمَغْصُوبِهِ الْخَلِّ فَتَوَهَّمْتُهَا خَلًّا فَقَالَ لِي قَائِلٌ: مَالَكَ تَنْظُرُ إلَيْهَا إنَّهَا خَمْرٌ، فَقُلْتُ: لَزِمَنِي فَرْضٌ وَدَخَلْتُ
الْحَانُوتَ فَلَمْ أَزَلْ أُصِيبُ دِنًّا دِنًّا حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى الْجَمِيعِ فَأَخَذُونِي وَضَرَبُونِي مِائَتَيْ خَشَبَةٍ وَطَرَحُونِي فِي السِّجْنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى دَخَلَ أُسْتَاذِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ الْبَلَدَ فَسَمِعَ بِحَالِي فَشَفَعَ لِي، فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟.
قُلْتُ: شُبْعَةٌ مِنْ خُبْزٍ وَعَدَسٍ وَضَرْبُ مِائَتَيْ خَشَبَةٍ وَسِجْنُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ: نَجَوْتَ مَجَّانًا، أَيْ وَرَدَتْ