الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢١٨............................
----------------------------
الْمَعْنَى لَا تَغْضَبْ وَإِنَّ تَرْكَ الْغَضَبِ يُورِثُ الْخِصَالَ وَالْأَفْعَالَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلْجَنَّةِ، أَوْ رَأَى مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَفَاءً بِدِينِ اللَّهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ غَضَبًا بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْجَنَّةِ إلَّا مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَضَبِ، فَقَالَ: لَكَ الْجَنَّةُ عَلَى أَنْ لَا تَغْضَبَ، فَقَدْ ﴿كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْضَبُ حَتَّى تَحْمَرَّ وَجْنَتَاهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ﴾، وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَغْضَبُ لِلدُّنْيَا فَإِذَا أَغْضَبَهُ الْحَقُّ لَمْ يَقْرَبْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَقَالَ رَجُلٌ لِسَلْمَانَ: أَوْصِنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ.
قَالَ: لَا أَقْدِرُ، قَالَ: فَإِذَا غَضِبْتَ فَأَمْسِكْ لِسَانَكَ وَيَدَيْكَ، وَيَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا تَجْعَلْ نَفْسَكَ بِمَرْتَبَةٍ تَغْضَبُ فِيهَا بِأَنْ تَعْتَقِدَ لِنَفْسِكَ الْهَوَانَ وَالذُّلَّ حَتَّى إذَا أَصَابَكَ مَا تَكْرَهُ وَجَدْتُكَ مُتَمَهِّدًا لَهُ، وَيَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْغَضَبِ الْأَمْرَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تُوجِبُ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ
الْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ وَالْحِلْمِ وَالْحَيَاءِ وَالتَّوَاضُعِ وَالِاحْتِمَالِ وَكَفِّ الْأَذَى وَالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ وَالطَّلَاقَةِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا تَخَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ وَصَارَتْ لَهَا عَادَةً انْدَفَعَ عَنْهَا الْغَضَبُ عِنْدَ حُصُولِ أَسْبَابِهِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ - ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ فَدَلَّتْ الْآيَتَانِ أَنَّ الْغَضَبَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِاتِّبَاعِ مُقْتَضَاهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الْآيَةَ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: ﴿لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ﴾ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ الْمَبَالِغِ فِي صَرْعِ غَيْرِهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟ قُلْنَا: