شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٢٢

وَهُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ.

-----------------------------

لَا يَثْبُتُ الْعَقْلُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَمَا لَا يَثْبُتُ رَوْحُ الْحَيِّ فِي التَّنُّورِ الْمَسْجُورِ، وَيُقَالُ: الْغَضَبُ عَدُوُّ الْعَقْلِ وَالْغَضَبُ غُولُ الْعَقْلِ وَيُرْوَى أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ: مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ لَا يَغْضَبَ فَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي وَيَكُونُ بَعْدِي خَلِيفَتِي، فَقَالَ شَابٌّ: أَنَا ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: أَنَا وَوَفَّى فَلَمَّا مَاتَ كَانَ فِي مَنْزِلَتِهِ بَعْدَهُ وَهُوَ ذُو الْكِفْلِ سُمِّيَ لِتَكَفُّلِهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ مِائَةَ رَجُلٍ فَرُّوا إلَيْهِ مِنْ الْقَتْلِ، وَقِيلَ: كَفَلَ بِرَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ كَذَا صَلَاةً، وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿إنَّ مِنْكُمْ سَرِيعَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَى فَإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَمِنْكُمْ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا تَكُونُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَخَيْرُكُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الرِّضَى، وَشَرُّكُمْ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَى﴾، (وَهُوَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ) وَذَلِكَ لِضِيقِ النَّفْسِ عَنْ تَحَمُّلِ مَا أُصِيبَ بِهِ وَذَلِكَ حَدٌّ غَيْرُ جَامِعٍ لَمْ يَشْمَلْ غَلَيَانَ دَمِ الْقَلْبِ لِدَفْعِ مَا يُؤْذِي فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ طَلَبًا لِدَفْعِ مَا يُؤْذِي عِنْدَ خَشْيَةِ وُقُوعِ الْإِيذَاءِ وَالِانْتِقَامِ مِمَّنْ حَصَلَ مِنْهُ الْأَذَى بَعْدَ وُقُوعِهِ.

وَقَدْ يُجَابُ عِنْدِي بِأَنَّ الْغَضْبَانَ يُرِيدُ الِانْتِقَامَ مِمَّنْ يُوَجَّهُ إلَى إيذَائِهِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْإِيذَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ إهَانَةً لَهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهَا فَيُرِيدُ الِانْتِقَامَ فَيَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا، وَقَالَ السَّعْدُ: الْغَضَبُ حَرَكَةُ النَّفْسِ مَبْدَؤُهَا إرَادَةُ الِانْتِقَامِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَعْضٍ إنَّهُ تَغَيُّرٌ يَتْبَعُهُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ، وَالْغَيْظُ أَصْلُ

الْغَضَبِ وَكَثِيرًا مَا يَتَلَازَمَانِ وَقَدْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْغَيْظَ لَا يَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ وَالْغَضَبُ يَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَيُفِيدُ الْحَدُّ أَنَّ الْغَضَبَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْمَغْلُوبِ أَوْ الْمَرْجُوِّ أَنْ يَكُونَ مَغْلُوبًا فَإِنْ كَانَ عَلَى مَغْلُوبٍ اشْتَعَلَتْ نَارُ الْغَضَبِ فِي الْقَلْبِ وَعَلَا بِهَا دَمُ الْقَلْبِ وَانْتَشَرَ فِي الْعُرُوقِ وَارْتَفَعَ إلَى أَعَالِي الْبَدَنِ كَارْتِفَاعِ الْمَاءِ الَّذِي يَغْلِي فِي الْقِدْرِ فَيَنْصَبُّ فِي الْوَجْهِ فَيَحْمَرُّ الْوَجْهُ