الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٢٩وَهَلَكَ مُسْتَعْمِلُهُ فِي غَيْرِ حِلٍّ كَغَضَبٍ عَلَى آمِرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ
-------------------------
فَلَعَلَّهُ إنْ ضَعُفَ عَقْلُهُ حَتَّى يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ التَّكْلِيفِ بِمَا أُصِيبَ أَوْ بِكَلَامٍ لَا يَضُرُّ بِهِ أَحَدًا وَلَا يُشْرِكُ أَوْ يُنَافِقُ بِهِ أَوْ يَضْرِبُ نَحْوَ أَرْضٍ وَكَانَ سَبَبُ غَضَبِهِ مُبَاحًا كَسَفَرٍ مُبَاحٍ أَوْ عِبَادَةٍ كَصَوْمٍ أَوْ مِنْ اللَّهِ كَمَرَضٍ.
وَأَمَّا الْإِشْرَاكُ وَالنِّفَاقُ وَالْقَتْلُ وَالطَّلَاقُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَتَعَدٍّ عَلَيْهِ إجْمَاعًا وَقِيلَ خِلَافًا وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ بِتَمَيُّزٍ فَمُكَلَّفٌ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقَعُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ وَأَفْتَى بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَقْوَى مَا يُعَالَجُ بِهِ الْغَضَبُ التَّوْحِيدُ الْحَقِيقِيُّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَوَاسِطَةٌ أَكْبَرُ وَهِيَ مَنْ لَهُ عَقْلٌ وَاخْتِيَارٌ كَالْإِنْسَانِ وَأَصْغَرُ وَهِيَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَاخْتِيَارَ كَالْعَصَا وَأَوْسَطُ وَهِيَ مَا لَهُ اخْتِيَارٌ دُونَ الْعَقْلِ كَالدَّوَابِّ فَالْغَضَبُ إمَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ جُرْأَةٌ تُنَافِي الْعُبُودِيَّةَ أَوْ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَإِشْرَاكٌ وَيُعَالَجُ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ مَا غَضَبِي عَلَى مَنْ أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ أَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ إنْ شَاءَ بِلَا غَضَبٍ وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلِمَ الْغَضَبُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ فَالْغَضَبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ زِيَادَةُ أَلَمٍ وَتَعَبٍ وَالشَّيْءُ إمَّا لَا بُدَّ عَنْهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً كُلُّهُمْ يَطْلُبُهُ كَالْقُوتِ وَسَلَامَةِ الْبَدَنِ مِنْ الضَّرْبِ وَاللِّبَاسِ فَهَذَا يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ كُلُّهُمْ وَإِمَّا مُسْتَثْنًى فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ كَالْجَاهِ وَفُضُولِ
الْمَالِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ الْغَضَبُ عَلَيْهِ وَالزَّاهِدُ لَا يَغْضَبُ عَلَيْهِ وَإِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِبَعْضٍ كَأَدَاةِ الصَّنْعَةِ لِلصَّانِعِ وَالْكِتَابِ لِلْعَالَمِ فَهُمَا يَغْضَبَانِ عَلَى ذَلِكَ إذَا أُخِذَ أَوْ أُفْسِدَ فَلْيَنْظُرَا كَيْفَ يَغْضَبَانِ.
(وَهَلَكَ مُسْتَعْمِلُهُ فِي غَيْرِ حِلٍّ) بِأَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ أَوْ يَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْغَضْبَانِ مِثْلُ أَنْ يُغْلِظَ صَوْتَهُ وَيُعَنِّفَ بِهِ وَيَتَكَلَّفَ انْقِبَاضَ وَجْهِهِ (كَغَضَبٍ عَلَى آمِرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ) وَفَاعِلِ حَلَالٍ أَوْ عِبَادَةِ فَرِيضَةٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ أَوْ مُبَاحٍ لَمْ تُوجِبْ الْحِكْمَةُ الْغَضَبَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا جَازَ الْغَضَبُ فِي الْمُبَاحِ تَأْدِيبًا وَجَازَ فِي الْمَكْرُوهِ